الرئيسيةصور ديكورمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة التوبة لابن كثير الجزء الثانى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير سورة التوبة لابن كثير الجزء الثانى   السبت أكتوبر 24, 2009 4:59 am

إِلاّ الّذِينَ عَاهَدتّم مّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمّوَاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىَ مُدّتِهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ

هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت, فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء, إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها, وقد تقدمت الأحاديث ومن كان له عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته, وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسليمن أحداً أي يمالىء عليهم من سواهم, فهذا الذي يوفي له بذمته وعهده إلى مدته ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك, فقال {إن الله يحب المتقين} أي الموفين بعهدهم.


** فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ

اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي ؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} الاَية, قال أبو جعفر الباقر, ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم, وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإليه ذهب الضحاك أيضاً وفيه نظر, والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه, وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} ثم قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر, ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة. وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} أي من الأرض وهذا عام, والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم, بقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} وقوله: {وخذوهم} أي وأسروهم إن شئتم قتلاً وإن شئتم أسراً, وقوله: {واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم, بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام, ولهذا قال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الاَية الكريمة وأمثالها, حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته, ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله عز وجل, وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين, ولهذا كثيراً ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة. وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» الحديث, وقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه!

وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق, أنبأنا عبد الله بن المبارك, أنبأنا حميد الطويل عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها, لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم» ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه, من حديث عبد الله بن المبارك به, وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي, حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئاً فارقها والله عنه راض» قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء, وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل, قال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, ثم قال في آية أخرى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ورواه ابن مردويه ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له. حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أنبأنا حكام بن سلمة, حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء, وهذه الاَية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة, وقال العوفي: عن ابن عباس في هذه الاَية لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة, وانسلاخ الأشهر الحرم ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر, من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الاَخر, وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في هذه الاَية قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام, ونقض ما كان سمي لهم من العهد والميثاق, وأذهب الشرط الأول. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: قال سفيان بن عيينة: قال علي بن أبي طالب: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف سيف في المشركين من العرب, قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} هكذا رواه مختصراً, وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} والسيف الثالث قتال المنافقين في قوله {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} الاَية, والرابع قتال الباغين في قوله {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه فقال الضحاك والسدي هي منسوخة بقوله تعالى: {فإما مناً بعد وإما فداء} وقال قتادة بالعكس.


** وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَعْلَمُونَ

يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه {وإن أحد من المشركين} الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم {استجارك} أي استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله أي القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئاً من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله {ثم أبلغه مأمنه} أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده.

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الاَية قال: إنسان يأتيك ليسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فتسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء, ومن هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الأمان لمن جاءه مسترشداً أو في رسالة, كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش, منهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم, واحداً بعد واحد يترددون في القضية بينه وبين المشركين فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر, فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك, وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم, ولهذا أيضاً لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أتشهد أن مسيلمة رسول الله ؟ قال نعم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك» وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة, وكان يقال له ابن النواحة ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة, فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الاَن لست في رسالة وأمر به فضربت عنقه لا رحمه الله ولعنه. والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب, وطلب من الإمام أو نائبه أماناً أعطي أماناً ما دام متردداً في دار الإسلام, وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه, لكن قال العلماء لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة, ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر, وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله.

** كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاّ الّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ

يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر, ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا فقال تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد} أي أمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} يعني يوم الحديبية, كما قال تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله} الاَية, {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين {فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون. استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالؤوا حلفاءهم وهم بنو بكر على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوهم معهم في الحرم أيضاً فعنذ ذلك غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة, فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء, وكانوا قريباً من ألفين, ومن استمر على كفره وفرّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء, ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما, ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام, والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله.

** كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاّ وَلاَ ذِمّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىَ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ

يقول تعالى محرضاً للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم ومبيناً أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم, ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلاً ولا ذمة. قال علي بن أبي طلحة وعكرمة والعوفي عن ابن عباس: الإلّ القرابة والذمة العهد. وكذا قال الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل:

أفسد الناس خلوف خلفواقطعوا الإل وأعراق الرحم

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وجدناهم كاذباً إلهموذو الإل والعهد لا يكذب

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا يرقبون في مؤمن إلا, قال: الإل الله, وفي رواية لا يرقبون الله ولا غيره. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب, حدثنا ابن علية عن سليمان عن أبي مجلز في قوله تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة} مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل كأنه يقول لا يرقبون الله, والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر. وعن مجاهد أيضاً الإل العهد. وقال قتادة: الإل الحلف.

** اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاّ وَلاَ ذِمّةً وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

يقول تعالى ذماً للمشركين وحثاً للمؤمنين على قتالهم {اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً} يعني أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة {فصدوا عن سبيله} أي منعوا المؤمنين من اتباع الحق {إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة} تقدم تفسيره وكذا الاَية التي بعدها {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} إلى آخرها تقدمت. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا يحيى بن أبي بكر, حدثنا أبو جعفر الرازي, حدثنا الربيع بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا يشرك به, وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راضٍ» وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم, قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله {فإن تابوا} يقول فإن خلعوا الأوثان وعبادتها {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقال في آية أخرى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ثم قال البزار: آخر الحديث عندي والله أعلم فارقها وهو عنه راضٍ وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس.

** وَإِن نّكَثُوَاْ أَيْمَانَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوَاْ أَئِمّةَ الْكُفْرِ إِنّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ يَنتَهُونَ

يقول تعالى وإن نكث المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم أي عهودهم ومواثيقهم {وطعنوا في دينكم} أي عابوه وانتقصوه, ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات الله وسلامه عليه أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص, ولهذا قال: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} أي يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال. وقد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر. كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وعدد رجالاً, وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مر سعد بن أبي وقاص برجل من الخوارج فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر فقال سعد كذبت بل أنا قاتلت أئمة الكفر رواه ابن مردويه, وقال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال ما قوتل أهل هذه الاَية بعد. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مثله, والصحيح أن الاَية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم والله أعلم وقال: الوليد بن مسلم: حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير, أنه كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قوماً محوّقة رؤوسهم, فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف, فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحب أليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول: {فقاتلوا أئمة الكفر} رواه ابن أبي حاتم.

** أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نّكَثُوَاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمّواْ بِإِخْرَاجِ الرّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مّؤُمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَىَ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

وهذا أيضاً تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة, كما قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} وقال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} الاَية, وقال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} الاَية, وقوله: {وهم بدءوكم أول مرة} قيل المراد بذلك: يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم, فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجوههم, طلباً للقتال بغياً وتكبراً كما تقدم بسط ذلك, وقيل المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وكان ما كان ولله الحمد والمنة.

وقوله: {أتخشونهم ؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} يقول تعالى لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي فبيدي الأمر وما شئت كان ومالم أشأ لم يكن, ثم قال عزيمة على المؤمنين وبياناً لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين}: وهذا عام في المؤمنين كلهم, وقال مجاهد وعكرمة والسدي في هذه الاَية {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني خزاعة, وأعاد الضمير في قوله: {ويذهب غيظ قلوبهم} عليهم أيضاً. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن مسلم بن يسار عن عائشة رضي الله عنها, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غضبت أخذ بأنفها وقال «يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر ذنبي, وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن» ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم, عن الباغندي عن هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن أبي الجوزاء عنه {ويتوب الله على من يشاء} أي من عباده {والله عليم} أي بما يصلح عباده {حكيم} في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبداً ولا يضيع مثقال ذرة من خير وشر, بل يجازي عليه في الدنيا والاَخرة.


** أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

يقول تعالى: {أم حسبتم} أيها المؤمنون أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب ولهذا قال: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} أي بطانة ودخيلة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله فاكتفى بأحد القسمين عن الاَخر كما قال الشاعر:

وما أدري إذا يممت أرضاًأريد الخير أيهما يليني

وقد قال الله تعالى في الاَية الأخرى: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}, وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} الاَية, والحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه, وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه لا إله إلا هو ولا رب سواه, ولا راد لما قدّره وأمضاه.


** مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَىَ الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللّهَ فَعَسَىَ أُوْلَـَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ

يقول تعالى ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له, ومن قرأ مسجد الله فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له, وأسسه خليل الرحمن, هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم وبقالهم قال السدي: لو سألت النصراني ما دينك ؟ لقال نصراني, ولو سألت اليهودي ما دينك ؟ لقال يهودي, والصابىء لقال صابىء, والمشرك لقال مشرك {أولئك حبطت أعمالهم} أي بشركهم {وفي النار هم خالدون} وقال تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون} ولهذا قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاَخر} فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد كما قال الإمام أحمد: حدثنا شريح, حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث, أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان». قال الله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاَخر} ورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب به.

وقال عبد الرحمن بن حميد في مسنده: حدثنا يونس بن محمّد حدثنا صالح المري عن ثابت البناني عن ميمون بن سياه وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما عمار المساجد هم أهل الله» ورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبد الواحد بن غياث عن صالح بن بشير المري عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما عمار المساجد هم أهل الله» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح, وقد روى الدار قطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار عن أبيها عن أخيه مالك بن دينار عن أنس مرفوعاً «إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم» ثم قال: غريب, وروى الحافظ البهائي في المستقصى عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي, حدثنا منصور بن صقير, حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس مرفوعاً يقول الله: وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم. ثم قال ابن عساكر: حديث غريب.

وقال الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا سعيد عن قتادة, حدثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان ذئب الإنسان, كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية, فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد» وقال عبد الرزاق: عن معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال المسعودي: عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله. قال الله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاَخر} الاَية, رواه ابن مردويه. وقد روي مرفوعاً من وجه آخر, وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا موضع بسطها. وقوله: {وأقام الصلاة} أي التي هي أكبر عبادات البدن {وآتى الزكاة} أي التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق, وقوله {ولم يخش إلا الله} أي ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاَخر} يقول: من وحد الله وآمن باليوم الاَخر يقول من آمن بما أنزل الله {وأقام الصلاة} يعني الصلوات الخمس {ولم يخش إلا الله} يقول لم يعبد إلا الله ثم قال: {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} وهي الشفاعة, وكل عسى في القرآن فهي واجبة, وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: وعسى من الله حق.


** أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * الّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشّرُهُمْ رَبّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنّاتٍ لّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسير هذه الاَية قال: إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله وقيام على)السقاية خير ممن آمن وجاهد, وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره, فذكر الله استكبارهم وإعراضهم, فقال لأهل الحرم من المشركين {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامراً تهجرون} يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال {به سامراً} كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم فخير الله الإيمان والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به, وإن كانوا يعمرون بيته ويحرمون به. قال الله تعالى: {لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئاً.

وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الاَية قال: قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ونفك العاني, قال الله عز وجل: {أجعلتم سقاية الحاج ـ إلى قوله ـ والله لا يهدي القوم الظالمين} يعني أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك, وقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك, فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج, فأنزل الله {أجعلتم سقاية الحاج} الاَية.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي: قال: نزلت في علي والعباس رضي الله عنهما بما تكلما في ذلك, وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد, فقال علي رضي الله عنه: ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد, فأنزل الله عز وجل {أجعلتم سقاية الحاج ؟} الاَية كلها, وهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عمرو عن الحسن قال: نزلت في علي وعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك, فقال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً» ورواه محمد بن ثور: عن معمر عن الحسن فذكر نحوه, وقد ورد في تفسير هذه الاَية حديث مرفوع فلا بد من ذكره هنا, قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رجلاً قال: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك يوم الجمعة, ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه. فنزلت {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ـ إلى قوله ـ لا يستوون عند الله}.

(طريق أخرى) قال الوليد بن مسلم حدثني معاوية بن سلام عن جده أبي سلام الأسود عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال ففعل فأنزل الله عز وجل {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ـ إلى قوله ـ والله لا يهدي القوم الظالمين} ورواه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه, وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه.


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُوَاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ اسْتَحَبّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبّ إِلَيْكُمْ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء, ونهى عن موالاتهم إن استحبوا أي اختاروا الكفر على الإيمان, وتوعد على ذلك كقوله تعالى {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الاَخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار} الاَية, وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الاَلهة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله فأنزل الله فيه هذه الاَية {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الاَخر يوادّون من حادّ الله ورسوله} الاَية. ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله فقال: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها} أي اكتسبتموها وحصلتموها {وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها} أي تحبونها لطيبها وحسنها, أي إن كانت هذه الأشياء {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم ولهذا قال {حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.

وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن زهرة بن معبد عن جده قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» فقال عمر فأنت الاَن والله أحب إليّ من نفسي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الاَن يا عمر» انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن حيوة بن شريح عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا, وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» وروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» وروى الإمام أحمد أيضاً عن يزيد بن هارون عن أبي جناب عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك, وهذا شاهد للذي قبله والله أعلم.


** لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُم مّدْبِرِينَ * ثُمّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىَ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَعذّبَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ * ثُمّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَىَ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ

قال ابن جريج عن مجاهد هذه أول آية نزلت من براءة يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله, وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا بعددهم ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلاً ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت يونس يحدث عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الصحابة أربعة, وخير السرايا أربعمائة, وخير الجيوش أربعة آلاف ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة» وهكذا رواه أبو داود والترمذي ثم قال هذا حديث حسن غريب جداً لا يسنده أحد غير جرير بن حازم, وإنما روي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره عن أكثم الجوني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه والله أعلم. وقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة.

وذلك لما فرغ صلى الله عليه وسلم من فتح مكة وتمهدت أمورها وأسلم عامة أهلها وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه وأن أميرهم مالك بن عوف بن النضر, ومعه ثقيف بكمالها وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وهم قليل وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم وجاءوا بقضهم وقضيضهم فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين فسار بهم إلى العدو فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم, ورشقوا بالنبال وأصلتوا السيوف وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل, وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحو العدو, والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن, وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير وهو ينوه باسمه عليه الصلاة والسلام ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول: «إليّ عباد الله إليّ أنا رسول الله» ويقول في تلك الحال: «أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب» وثبت معه من أصحابه قريب من مائة ومنهم من قال ثمانون فمنهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما والعباس وعلي والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد وغيرهم رضي الله عنهم ثم أمر صلى الله عليه وسلم عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته يا أصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على أن لا يفروا عنه فجعل ينادي بهم يا أصحاب السمرة, ويقول تارة يا أصحاب سورة البقرة, فجعلوا يقولون يا لبيك يا لبيك, وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عليه السلام أن يصدقوا الحملة وأخذ قبضة من تراب بعد ما دعا ربه واستنصره, وقال «اللهم أنجز لي ما وعدتني» ثم رمى القوم بها فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينه وفمه ما يشغله عن القتال ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يعلى بن عطاء عن عبد الله بن يسار عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري واسمه يزيد بن أسيد ويقال يزيد بن أنيس ويقال كرز قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح ؟ فقال: «أجل» فقال: «يا بلال» فثار من تحت سمرة كأن ظلها ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال «أسرج لي فرسي» فأخرج سرجاً دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كمال قال الله تعالى: {ثم وليتم مدبرين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» ثم قال: «يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله» قال ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفاً من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: «شاهت الوجوه» فهزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه تراباً وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد, وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به, وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: «أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله, أنا رسول الله, أنا محمد بن عبد الله» فلا شيء وركبت الإبل بعضها بعضاً فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس قال: «يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة» فأجابوه لبيك, لبيك, فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار ثم جعلت آخراً بالخزرج وكانوا صبراء عند الحرب وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: «الاَن حمي الوطيس» قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله ملقون فقتل الله منهم من قتل وانهزم منهم ما انهزم وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم.

</FONT>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
 
تفسير سورة التوبة لابن كثير الجزء الثانى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فونام  :: الدين الإسلامى :: تفسير القرآن-
انتقل الى: