الرئيسيةصور ديكورمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 3:33 am





العودة إلى القرآن

لماذا ... وكيف؟

مجدي الهلالي

المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد..
فلقد أكرم الله عز وجل هذه الأمة بخير رسالة أرسلها إلى البشر، ضمّن فيها سبحانه وتعالى كل ما يكفُل للإنسان العيش السعيد الآمن في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
هذه الرسالة عندما استمع إليها نفر من الجن أدركوا قيمتها العظيمة، وفهموا المقصد من نزولها، فسارعوا إلى قومهم ليخبروهم بما عملوا.. فماذا قالوا لهم ؟
﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: 30 - 32].
ولم يكن هؤلاء النفر من الجن وحدهم هم الذين أدركوا قيمة القرآن ؛ ففي تاريخنا أسطر من نور تقُصُّ علينا أن جيلًا كاملًا قد أحسن استقبال القرآن، وتعامل معه على أنه منهج حياة، جاءهم من عند مالك الحياة – رحمة منه وفضلًا – ليُعينهم على السير فيها بما يُحقق لهم السعادة في دنياهم وأخراهم.
فهم الصحابة – رضوان الله عليهم – المقصد العظيم من نزول القرآن؛ فتعاملوا معه من هذا المنطلق، وأتوه من أوله، فأعطوه عقولهم وقلوبهم وأوقاتهم، فأحسن القرآن وفادتهم، وأكرمهم بكرمه البالغ، وأعاد صياغتهم من جديد، ليخرجوا من مصنعه أُناسًا آخرين، لم تشهد البشرية لهم نظيرًا فدانت لهم الأرض، وسادوها في سنوات معدودات.
.. ومضى الزمان، وابتعد المسلمون شيئًا فشيئًا عن القرآن قائدًا وموجهًا، ومصنعًا للتشكيل والتغيير، واشتغلوا عنه بأمور أخرى، ولم يُعطوه من أوقاتهم وأنفسهم ما أعطاه الجيل الأول له، ولم يأتوا أمره من أوله، فما انطلقوا في تعاملهم معه من القصد الأسمى لنزوله.. فماذا كانت النتيجة، وماذا حصدت الأمة من وراء ذلك ؟
لقد كانت لنتيجة الطبيعية لإغلاق مدرسة القرآن وتوقف ماكيناته عن العمل أن كل ما بناه الجيل الأول وحققه من مجد وعز تلاشى وأصبح أنقاضًا، وصرنا في ذيل الأمم لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا، فأصبحنا أضيع من الأيتام على مائدة اللئام.
وتطبيقًا للقاعدة " ومن ثمارهم تعرفهم " فلقد عرفنا حُسن تعامل الصحابة – رضوان الله عليهم - مع القرآن من خلال الثمار العظيمة التي تحققت فيهم وفي أمتهم.
وتطبيقًا لنفس القاعدة على الواقع الحالي للمسلمين نجد أنه ومع وجود بعض الانشغال بالقرآن حفظًا وتلاوة إلا أن ثمار هذا الانشغال لم تظهر للوجود بصورة واضحة، وهذا يدل على أن هناك حلقة مفقودة في تعاملنا مع القرآن، وأن المطلوب معه أمر آخر بالإضافة إلى ما نفعله.
إننا وباختصار شديد نحتاج إلى عودة حقيقية إلى القرآن فندخل إلى عالمه ومصنعه، لتُعيد ماكيناته تشكيلنا من جديد، وتغيير ما بأنفسنا، ليُحقق الله وعده الذي لا يُخلف، فيُغير – سبحانه – ما حاق بنا من بؤس وعذاب وضياع.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
وهذا الكتاب " العودة إلى القرآن، لماذا وكيف؟ " يتناول هذا الموضوع، والذي يبدأ في فصله الأول بالحديث عن الهدف الأسمى من نزول القرآن، وفي فصله الثاني يستعرض جوانب الهداية القرآنية، أما الفصل الثالث فيُجيب عن تساؤل البعض عن كيفية التغيير القرآني، ويأتي الفصل الرابع والذي بعنوان " القرآن بين الأولين والآخرين " ليُقدم لنا النماذج التي تخرحت من مدرسة القرآن، ويستعرض كذلك تاريخ هجر القرآن، ووصول الأمر إلى ما وصل إليه الآن. والفصل الخامس بعنوان " حاجتنا إلى القرآن"، والسادس بعنوان " عقبات في طريق العودة "، ثم يأتي الفصل السابع مُبيِّنًا الوسائل العملية للعودة إلى القرآن تحت عنوان " كيف نعود إلى القرآن؟ " أما الفصل الثامن والأخير فهو بعنوان " معينات على الطريق ".
نسأل الله عز وجل التيسير والسداد والقبول..
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].











الفصل الأول

لماذا أنزل الله القرآن ؟

خلق الله عز وجل المخلوقات من أرض وسماء، وجبال ودواب، وماء وهواء، و... قبل خلق الإنسان، وجعلها منقادة لعبادته، لا تعرف خالقًا سواه، ولا إلهًا غيره.. تُسبحه وتسجد له، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44].
وخلق سبحانه وتعالى الملائكة وهم من خواص خلقه، وجعلهم مقربين إليه يقومون بتنفيذ أوامره في تدبير أمور الكون.. وهم كسائر مخلوقاته في حالة دائمة من التسبيح والعبادة له سبحانه ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19].
خلق آدم :
ومع عبادة الكون كله لله وتسبيحه الدائم له، فإنه سبحانه وتعالى أراد أن يخلق مخلوقًا جديدًا يعبده باختياره بعد أن يُعطيه عقلًا لا يوجد مثله في سائر مخلوقاته، ويودع فيه من الملكات والمقومات ما يستطيع من خلالها أن يصل لمعرفة الله عز وجل، لدرجة لم يصل إليها مخلوق آخر – بما في ذلك الملائكة – وبجانب هذا العقل جعل له سبحانه وتعالى نفسًا تُحب الشهوات، ولا تنظر إلى عواقب الأمور.. تُريد أن تاخذ حظها من كل عمل يقوم به هذا المخلوق.. تُحب الراحة، وتكره التكليف.
وبين العقل والنفس يوجد القلب الذي يُعد بمثابة الملك: يُصدر الأوامر فُيسمع له الجميع ويطيع.. ففيه مركز القيادة والإرداة واتخاذ القرار، ولقد خلقه الله سبحانه وتعالى بإرادة حُرَّه، وأعطاه مزية حرية الاختيار، وطالبه بعبادته في الغيب في ظل هذه المعطيات.
أخبر سبحانه وتعالى الملائكة هذا الأمر ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
فاستعظمت الملائكة أن يوجد مخلوق لا يعبد الله عبودية تامة كبقية الخلائق، وأن يوجد مكان في الوجود يُعصى فيه الإله ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].
ثم بيَّن سبحانه وتعالى للملائكة قدرات هذا المخلوق الجديد، وإمكانيات عقله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 31 - 33].
وطلب سبحانه وتعالى من الملائكة السجود لآدم تشريفًا وتكريمًا له.. فانصاعت الملائكة للأمر إلا إبليس رفض التنفيذ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].
كيف لمخلوق يرى الله عز وجل، وآثار قوته وقدرته وقهره أن يرفض له أمرًا ؟!
لكنه الكبر والحسد، فعندما سأله المولى عز وجل عن سبب رفضه للسجود ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].
فكان العقاب الأليم: اللعن والطرد من رحمة الله والعقوبة بالحبس الأبدي في النار ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: 18].
طلب إبليس :
عرف إبليس مصيره وبدلًا من أن يُبادر بالتوبة عما فعله، ازداد حقدًا وحسدًا وكراهية لآدم – عليه السلام -، وطلب من الله عز وجل أن يمهله في تنفيذ العقوبة طوال مدة الحياة الدنيا، لينتقم لنفسه من آدم وبنيه، ويسوقهم معه إلى النار ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: 79 - 81].
وبعد أن تمت الموافقة على طلبه، أقسم اللعين أن يعمل جاهدًا طوال هذه المهلة على إغواء بني آدم، وصدهم عن الصراط المستقيم بكل الطرق الممكنة ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16، 17].
الهبوط إلى الأرض:
أسكن الله عز وجل آدم الجنة وجعلها داره، وخلق له زوجته حواء، وأباح لهما الجنة كلها إلا شجرة واحدة ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 35].
بدأ إبليس عمله مباشرة فهو لا يُريد أن يُضيع وقتًا من المهلة التي أخذها، واستهل ذلك بالوسوسة إلى آدم وزوجه بالأكل من الشجرة المحرمة، وادعى بأنها شجرة الخلد والملك، وأقسم لهما بالله على ذلك.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 20، 21].
لم يكن آدم وزوجته يظنان أن هناك من يُقسم بالله كاذبًا، فأكلا من الشجرة لتنكشف لهما عوراتهما وينتصر عليهما اللعين.. حينئذ شعر آدم وزوجته بعِظم الجُرم الذي ارتكباه ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 22-23 ].
ندم آدم وزوجه ندمًا شديدًا، وتابا توبة صادقة إلى الله، فقبِل سبحانه توبتهما ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].
ولكن لابد من اختبار آخر كي يعودا إلى دارهما – الجنة – مرة أخرى، فكانت الأرض هي مكان الاختبار الجديد ليهبطا عليها وتبدأ منها رحلة العودة، ويهبط معهما إبليس ليستمر في عمله الذي طلب من أجله المهلة: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: 24، 25].
هبطوا جميعًا إلى الأرض ليبدأ الصراع بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 38، 39].
المشهد العظيم:
قَّدر الله سبحانه وتعالى لآدم عددًا محدودًا من الذرية يهبطون تباعًا إلى الأرض ليؤدوا الاختبار – اختبار العودة إلى الجنة – وقبل هبوطهم أخذ عليهم جميعًا العهد والميثاق على عبادته سبحانه وتعالى، ولقد وافق الجميع على ذلك وشهدوا بأنفهسهم على هذا العهد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: 172، 173].
أخبر سبحانه وتعالى الجميع بأنهم سيعودون إليه مرة أخرى ليسألهم عن العهد والميثاق والمهمة، التي أنزلهم إلى الأرض من أجلها ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29].
ولقد جعل الله عز وجل هذا العهد الذي وافق عليه الجميع مركوزًا في داخلهم: فطرة تميل بهم إلى الحق، وإلى عبادته سبحانه وتعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
بدأت ذرية آدم في الخروج إلى الأرض مجموعة بعد مجموعة لأداء الاختبار، وعندما تنتهي الواحدة وتنقضي مدة اختبارها ووجودها على الأرض تُنزع أرواحها وتذهب إلى القبور التي تُعد بمثابة ساحات انتظار حتى ينتهي الجميع من أداء الامتحان.
يتوالى هبوط الناس إلى الأرض وخروجهم منها إلى أن يأتي آخر عدد قدره الله عز وجل، فيؤدى الاختبار ويكتمل امتحان الجميع، فينتهي دور الأرض كقاعة امتحان فتتزلزل، وتُخرج منها ليبدأ يوم الحساب وإعلان النتائج: إما النجاح والعودة إلى الجنة، أو الرسوب والحبس في النار.
ماذا فعل الناس على الأرض؟
خرجت الأجيال إلى الأرض بفطرة سليمة، مُهيأة لعبادة الله عز وجل، ولكن إبليس اللعين لم يكن ليتركهم ينجحون في امتحان العودة إلى الجنة.. وكيف يتركهم وقد طلب المهلة من الله عز وجل لا ليرتاح، بل ليُضل الناس جميعًا ويسوقهم معه إلى النار؟ فهو يعتبر كل فرد ينجح في الفرار منه، والعودة إلى الجنة، دليل على أفضلية آدم عليه، وأحقيته بالسجود له – كما طلب الله منه – لذلك فهو يعمل جاهدًا على غواية الجميع من خلال ذريته، وألا يفلت أحد من قبضته، فتراه لا يترك فرصة للإضلال إلا ويستغلها.
مدخله الأساسي النفس البشرية وما فيها من جوانب ضعف كثيرة، وولع بالشهوات، وحب للراحة، فيدخل إلى القلب من خلالها ليستولي على إرادته فيصير أسيرًا له يأمره وينهاه كيفما شاء ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119].
وللأسف الشديد فقد اتبعه خلق كثير ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: 60 - 62].
اتبعوه بإرادتهم بعد ان زين لهم الدنيا وزخرفها، وأنساهم ربهم وما طالبهم به ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 19].
فانتهت حياة الكثيرين منهم نهاية مظلمة، وانكشفت لهم الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان وانتهاء فترة الامتحان ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99، 100].
حب الله لعباده:
بالرغم من اتباع الغالبية العظمى من الناس لعدو الله إبليس، ونبذهم عبادة ربهم إلا أنه سبحانه وتعالى لم يشأ أن يعاقبهم على ذلك بحرمانهم مما حباهم به، فنعمه عليهم مستمرة، ورعايته لهم قائمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143].
لا يتربص بهم، ولا يأخذهم حال معصيتهم ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 67].
بل يُمهلهم ويُعطيهم الفرصة تلو الفرصة ليعودوا إليه قبل فوات الأوان ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61].
يصبر عليهم وهم يتمادون في العصيان والكفر.. يحلم بهم لعلهم يفيقون ويثوبون إلى رشدهم.. يُمسك السماوات أن تقع على الأرض والبحار من أن تُغرقها غضبًا منها على العصاة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: 41].
لم يتركنا نواجه الشيطان بمفردنا، بل جعل لكل منا ملكًا يحضُّه على فعل الخير.
قال صلى الله عليه وسلم: " في القلب لمَّتان: لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله، ولمَّة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير، فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ ( ) [البقرة: 268].
ومن صور رحمته وحبه لعباده أنه – سبحانه وتعالى – قد جعل باب التوبة مفتوحًا أمام الجميع، فلا يُغلقه أمام الإنسان – أي إنسان – إلا في اللحظات الأخيرة من حياته، وعند نزع الروح، وانتهاء فترة الامتحان.
الرسائل السماوية :
ومن دلائل حب الله لعباده كذلك: تلك الرسل التي أرسلها لهم على مر الأزمان، تُذكِّرهم بما خُلِقوا من أجله، وأنهم سوف يعودون إليه شاءوا أم أبَوا ليُحاسبهم عما فعلوه.. يُرغبهم فيها بنعيم الجنة إن هم أطاعوه، ويُنذرهم بالنار ليخافوه ويستقيموا على أمره ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16].
واختار سبحانه وتعالى خير عباده من البشر ليقوموا بتبليغ رسالاته إلى الناس: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
وأعطى كل رسول من رسله دليل على صدقه فيما جاء به من ربه لكيلا يشك الناس في أمره ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: 63].


يتبــع





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 3:53 am

كيف تعامل الناس مع هذه الرسائل؟
كل مره يرسل الله فيها رسالة إلى طائفة من عباده مع رسول من رسله يستجيب القليل لنداء الرسول ويُطيعونه فيما جاء به من ربه، ويمتنع الكثير عن طاعته استجابة منهم للشيطان.
يستمر التكذيب فيمهلهم الله عز وجل لعلهم يستجيبون لدعوته، ويُنقذون أنفسهم من سوء المآل، ولكنهم في الغالب يظلون على عنادهم فيحق عليهم وعيد الله، فيأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 44].
.. وهكذا تتوالى الرسائل من السماء إلى أهل الأرض أن أفيقوا قبل فوات الأوان.. لا تتبعوا الشيطان ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47].
إذن فجوهر الرسائل كلها هو هداية الناس إلى الله، وإلى صراطه المستقيم، وإنقاذهم من طريق الشيطان.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]. وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 46].
الرسالة الأخيرة:
كانت الرسائل التي أرسلها الله عز وجل للبشر تُخاطب قومًا من الأقوام في فترة زمنية محددة، حيث كان التقدم الحضاري والاتصال بين الأمم محدودًا، وبعد الرسالة التي أرسلها الله سبحانه وتعالى مع عيسى ابن مريم لبني إسرائيل ازداد انحراف الناس أكثر وأكثر، واحتاجت البشرية إلى رسالة تُخرجها من الظلمات إلى النور فكان القرآن.. ذلك الكتاب الذي أرسله الله عز وجل للبشرية جمعاء في كل زمان ومكان حيث يتلاءم مع ما يحدث في الأرض من تقدم علمي وحضاري غير مسبوق.
فالهدف الأساسي من نزول القرآن: هداية الناس إلى الله وإلى طريقه المستقيم، والعيش على الأرض بأمان، والعودة إلى الجنة بسلام.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 174، 175].
رسالة منطلقها الرحمة الإلهية بالناس لانقاذهم من النار وإخراجهم من الظلمات ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1].
أعظم رسالة:
لأن القرآن هو رسالة الله الأخيرة للبشرية، فقد أرسله سبحانه وتعالى مع خير رسله، وتولى بنفسه حفظه من التبديل والتحريف ليستمر في أداء دوره حتى قيام الساعة.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ [الحجر: 9].
أنزله سبحانه وتعالى بلغة عربية عذبة، سلسة، بحيث يستطيع أي إنسان أن يفهم الحقائق الأساسية لتلك الرسالة مهما كان حظه من الثقافة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2].
ولقد جعلها الله عز وجل رسالة موجزة ليسهل حملها وحفظها وقراءتها.
وكونها رسالة موجزة فلابد من قراءتها بتأن وتؤدة حتى يتمكن السامع والقارئ من فهم المقصود منها ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: 106].
ولأنها لا تُخاطب العقل فقط، بل الوجدان أيضًا، كان الأمر بترتيلها والتغني بها لتكون اكثر تعمقًا في النفس، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4].
يسرها الله للقراءة، فلا تحتاج إلى أماكن محددة أو أزمنة خاصة لتُقرأ فيها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: 17].
ولكي يتم دوام الاستفادة منها كان من الضروري أن يداوم المسلم على قراءتها يوميًّا، فكان التحفيز وشحذ الهمم لذلك برصد الجوائز لكل من يقرأ فيها حرفًا فيكون ذلك دافعًا لقراءتها، ومن ثَمَّ حدوث المقصود من نزولها.
ولقد جعل سبحانه وتعالى مواضيعها الأساسية مكررة في كثير من السور بأساليب مختلفة لتتم بها التذكرة في أي موضع يلتقي فيه المسلم مع القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: 50].
ولأن المعنى هو المقصود من القراءة كان الأمر بالإنصات لها، وتدبرها، وإعمال العقل في فهم المقصود من خطابها، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
.. كل هذا وغيره ليحدث المقصد الأعظم من نزول القرآن، ألا وهو هداية الناس إلى الله عز وجل واستنقاذهم من طريق الشيطان، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].







الفصل الثاني

جوانب الهداية في القرآن





أنزل الله عز وجل القرآن لمقصد عظيم، ألا وهو هداية البشر إليه وإلى طريقه المستقيم، وقيادتهم إلى جنته ورضوانه، وإنقاذهم من إبليس ومن المصير الذي يقودهم إليه.
يقول تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].
فالقرآن حبل الله الممدود بين السماء والأرض، مَن تمسَّك به نجا من الهلاك كما قال صلى الله عليه وسلم: " أبشروا، أبشروا ! أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضللوا ولن تهلكوا بعده أبدًا"( ).
إنه المصباح الذي اجتبى به سبحانه وتعالى هذه الأمة، فلا سبيل لهدايتها إلا به، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44].
مفهوم الهداية:
القارئ للقرآن المتدبر لمعانيه، يجده كثيرًا ما يصف نفسه بأنه نور وهدى للناس.. فماذا تعني كلمة الهداية، وكيف تكون؟
قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: " يا علي، سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك السهم"( ).
فمعنى الهداية بصفة عامة: معرفة الطريق الصحيح الموصل للهدف الذي يسعى المرء لبلوغه.
فإن كان الأمر كذلك، فما هو هدف المسلم في الحياة وكيف يبلغه؟
أليس الهدف هو: رضا الله عز وجل ودخول جنته، كما في الدعاء " اللهم إني أسألك رضاك والجنة " ؟
ولقد أخبرنا سبحانه وتعالى بأنه ليس هناك إلا طريق واحد يؤدي إلى هذا الهدف، ألا وهو: الصراط المستقيم.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
والطرق التي تُحيط بالصراط كثيرة، ويقف على رأس كل منها شيطان يدعو الناس إليه، كما أخبرنا بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا بيده، ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيمًا " وخطَّ عن يمينه وشماله ثم قال: " هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه " ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾( ) [الأنعام: 153].
هذا الطريق المستقيم ينبغي على المسلم أن يعرفه من بين الطرق الأخرى المحيطة به، وأن يسير فيه طيلة حياته حتى يلقى ربه..
فكيف له ذلك ؟
لم يشأ سبحانه وتعالى أن يترك الإنسان بدون دليل يدله على الصراط، ويهديه إليه.. فكان القرآن.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 30].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
ولقد بيَّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه النواس بن سمعان، قال: " ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه ؛ فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى على رأس الصراط كتاب الله، والداعى من فوق واعظ الله فى قلب كل مسلم»( ).
كيفية الهداية القرآنية:
هداية القرآن للإنسان تتم من خلال كشفه وإنارته لكل الجوانب التي تتعلق بحركة الإنسان الخارجية، وكذلك كل ما يوجد بداخله من جوانب غامضة، وأسئلة حائرة، وتصورات خاطئة. فالقرآن يكشف هذه الجوانب، ويوجهها الوجهة الصحيحة، وهو ما يعبر عنه " بسُبل السلام "، فهدفه الأساسي الوصول بمن يتبعه إلى بر الأمان في كل ما يتعلق به من أمور الدنيا قبل الآخرة.
يقول تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].
فمن خلال القرآن يحدث الانسجام بين المرء وفطرته المجبولة على عبادة الله عز وجل، وبه يحدث السلام بينه وبين نفسه، وبينه وبين من حوله من أفراد، وكذلك مع الكون المحيط به، ومع كل ما في يديه من أدوات مثل الأولاد والمال.
هذا على سبيل الإجمال.
أما على سبيل التفصيل: فعندما يوجد الإنسان في الدنيا، ويبدأ عقله في النمو والتمييز والإدراك، ويصل إلى سن البلوغ، فمن الطبيعي أن تتوارد على عقله تساؤلات كثيرة تتردد داخله من مثل هذا النوع وغيرها :
1- من الذي خلقني وخلق الناس جميعًا؟ ما اسمه، وكيف أتعرف عليه، وما الدليل الذي يؤكد على أنه الخالق، فهناك الكثير من الآلهة المزعومة ؟! [ من هو الله؟ ].
ولماذا خلقني هذا الإله، وميزني عن سائر ما أجد من مخلوقات؟ ما المطلوب مني؟! [ واجبات العبودية ].
2- اسمع عن شخص اسمه محمد صلى الله عليه وسلم، قد أرسله الله عز وجل إلى البشر، معه رسالة منه – سبحانه – فمن هو هذا الرسول، وما دوره، وما طبيعة رسالته التي يحملها ؟
3- أرى الناس تتسابق على جمع المال، وعلى التمتع بما في الدنيا من زينة، ومع ذلك أراهم يموتون دون أن يأخذوا من دنياهم شيئًا، فلماذا إذا يتكالبون عليها؟
وأرى كذلك أُناسًا قد حُرموا الغنى، وآخرين حُرموا الصحة، وآخرين حُرموا الأولاد..
فلماذا لا يكون الجميع سواسية؟... وماذا بعد الموت؟ [ قصة الوجود ].
4- أشعر بنوازع ودوافع تدفعني إلى الفجور، والاستئثار بكل خير والتطلع لما عند الآخرين، وأشعر كذلك بصوت من داخلي يؤنبني على بعض ما أفكر فيه وأقوم به.. فمن أنا؟ وما الذي يحدث بداخلي؟ وكيف تهدأ أمواج الخواطر والتطلعات، وأحلام اليقظة التي تضطرم في كياني؟ [ من هو الإنسان ].
5- أشعر في بعض الأحيان وكأن هناك من يدفعني لفعل الشر، ويعمل على إبعادي عن القيام بأعمال الخير، وهذا لا يأتي إلا من عدو.. فمن هو هذا العدو؟ وكيف أتقيه؟ [ من هو الشيطان؟ ].
6- أجد نفسي في كون فسيح مليئ بالمخلوقات من نبات وحيوان وجماد، فما علاقتي به، وكيف أتعامل معه؟ وهل ما أراه بعيني فقط هو الموجود في هذا الكون أم هناك مخلوقات لا أراها، فأنا لا أرى الهواء مثلًا ولكنني أشعر بوجوده !! [ التعرف على الكون ].
7- ألاحظ أن الكون من حولي يسير وفق نظام دقيق: فالشمس تُشرق في الصباح وتغرُب في المساء، والفصول الأربعة تتوالى بدقة متناهية، ودورة حياة الإنسان تسير بنظام ثابت، وكذلك الحيوان والنبات.. فهناك إذن نظام وقوانين تحكم كل شيء، فما هي تلك القوانين؟ وكيف أعرفها لأستفيد بها؟ [ القوانين الحاكمة للكون والحياة ].
8- أجد نفسي بين أبوين وأشقاء وجيران، ثم زوجة وأولاد وزملاء.. فما شكل العلاقة التي ينبغي أن أتعامل بها مع هؤلاء ؟! [ حقوق العباد بعضهم على بعض ].
9- أجد الكثير من الناس حولي تائهين يسيرون في طرق متعددة، بعضهم لا يعتقد بأن هناك إلهًا للكون، والآخر يدَّعي أن إلهه فلان، وتتعدد المزاعم، ويُثيرون الشُبهات حول الإله الحق.. فلماذا لا يتَّبع الناس الحق، وكيف ندعوهم إليه؟ [ لماذا لا يتبع الناس الحق؟ ].
10- أسمع عن أُناس جاءوا إلى الدنيا قبلي ثم خرجوا منها... فماذا كان حالهم؟ وماذا فعلوا من صواب لأقوم به، ومن خطأ فأجتنبه؟ [ العبرة من قصص السابقين ].
مثل هذه الأسئلة وغيرها ينبغي أن تتردد في ذهن كل عاقل يبحث عن سر وجوده، وبالإجابة عنها يهتدي المرء إلى سُبل السلام، ويعيش في سكينة وطمأنينة.
ولأن القرآن كتاب هداية فقد أفرد للإجابة عن هذه الأسئلة العشرة مساحات كبيرة فيه، وكررها في مواضع متعددة ليتم بها دوام التذكر، وفي الصفحات القادمة سيتم بمشيئة الله وعونه وفضله عرض نماذج للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال القرآن ليستأنس بها الواحد منا عندما يبدأ عهده الجديد مع القرآن بالبحث عن جوانب الهداية فيه.



يتبــع





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 3:55 am

الجانب الأول للهداية القرآنية
التعرف على الخالق ( من هو الله؟ )
وواجبنا تجاهه ( واجبات العبودية )
التعرف على الخالق من أهم جوانب الهداية، بل إنه المفتاح الذي يفتح الباب للجوانب الأخرى. وإن كنَّا نحن المسلمين قد عرفنا من هو الإله الحق – رب العالمين – فإن هذه المعرفة تحتاج إلى كثير من التفاصيل لتترسخ مدلولاتها داخلنا، فينعكس ذلك على شكل العلاقة بيننا وبينه سبحانه وتعالى.
فعلى سبيل المثال عندما يتعرف الواحد منّا على شخص ما معرفة عامة، فإن نظرته له ستكون نظرة عادية مثله مثل غيره لا تلفت انتباهه، فإذا ما اقترب منه وازدادت معلوماته عنه وعن قدراته، وخبراته وشهاداته، أو المنصب الذي يتولاه، فإن هذا من شأنه أن يزيده احترامًا وهبية وتقديرًا لهذا الشخص مما سينعكس على طريقة تعامله معه، والتي بلا شك ستختلف كثيرًا عما كان من قبل.
المعرفة طريق الخشية والإجلال :
فعلى قدر معرفة الله عز وجل تكون الخشية منه، وعلى قدر الخشية تكون المراقبة، والمبادرة إلى الخيرات، وترك المنهيات، كما في الدعاء (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك)( ).
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190، 191].
فبينت هذه الآيات أن التفكر في خلق السماوات والأرض قاد هؤلاء الصالحين إلى المعرفة ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وأن المعرفة قادتهم إلى الخشية ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
ونلمح ذلك المعنى في قوله تعالى على لسان سيدنا موسى عليه السلام وهو يخاطب فرعون ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 19]، ففرعون لا يعرف الله عز وجل، لذلك لا يخشاه ولا يحسب له حسابًا، وموسى عليه السلام يُريد أن يعرِّفه به حتى يخشاه فينتهي عما يفعله.
وكذلك فعل نوح عليه السلام مع قومه ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: 13 - 16].
وعندما سأل موسى ربه: يارب أي عبادك أخشى لك؟ قال: أعلمهم بي( ).
كيف نعرف الله ؟
الله عز وجل أخبرنا بأنه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103].
وأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
وأنه: ﴿لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110].
فما السبيل إذن إلى معرفته ؟!
.. نعم لا يعرف الله إلا الله – سبحانه وتعالى – كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"( ).
ومع ذلك فقد أتاح لنا سبحانه وتعالى جزءا من المعلومات عنه بدرجة تتحملها عقولنا من خلال ما أخبرنا به من أسمائه وصفاته، والتي أودع مظاهرها وآثارها في مخلوقاته، وبقدر التتبع لهذه الآثار وربطها بالأسماء والصفات تكون المعرفة.
فالقاعدة تقول: " من آثارهم تعرفونهم "، فعندما يصف الناس شخصا ما بأنه محسن – مثلًا – فإن هذا الوصف لن يقع موقعه في النفس إلا إذا رأيت آثار إحسانه.. وكلما تتبعت تلك الآثار وشاهدتها بنفسك يزداد يقينك بصحة هذا الوصف.. ولله المثل الأعلى.
فالله عز وجل لا نستطيع أن نراه في الدنيا، ولكنه سبحانه وتعالى خلق هذا الكون كله وجعله يدل عليه، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. وأخبرنا سبحانه وتعالى بأن له أسماء وصفات أودع آثارها في كونه ومخلوقاته.
إذن فالطريقة السهلة لمعرفة الله عز وجل: أن نتعرف على آثار أسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20، 21]. وعلى قدر التتبع والتفكر في هذه الصفات تزداد المعلومات عن الله عز وجل فينعكس ذلك على القلب بزيادة جوانب العبودية فيه.
دور القرآن في معرفة الله:
من أهم سمات القرآن أنه كتاب تعريف بالله عز وجل فأكبر مساحة فيه تتحدث عنه سبحانه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله.
أما الطريقة التي ينتهجها القرآن في تعريف الناس بربهم عن طريق أسماءه وصفاته فتتلخص في هذه النقاط :
1- التعريف بالصفة.
2- وصف الصفة.
3- عرض آثار هذه الصفة.
4- العبودية المستحقة لها، وكيفية القيام بها، مع بيان صور الانحراف عنها.
نماذج تطبيقية :
1- أخبرنا القرآن بأن الله واحد – أحد – (صفة الوحدانية).
وصف القرآن هذه الصفة بعدة أوصاف منها أنه – سبحانه وتعالى – لا شريك له، ولا إله إلا هو، ولم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
- من آثار تلك الصفة :
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22].
وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: 91].
وقوله :﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾[لقمان: 11].
ويرشدنا القرآن إلى العبودية الواجبة لهذه الصفة ألا وهي توحيده سبحانه وتعالى، وإخلاص العبادة له.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
ويحذرنا من الوقوع في الشرك بالله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 116].
ويبين لنا مظاهر الشرك بالله، وعاقبة المشركين في الدنيا والأخرة.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18].
2- الله عز وجل أخبرنا بأنه الوهاب – الرزاق – المنان – البر – المعطي –والتي يجمعها صفة الإنعام.
- وصف الصفة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
- مظاهر الصفة وآثارها في الكون والنفس :
مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾[الملك: 23].
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعً﴾ [الجاثية: 13].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21].
- العبودية المطلوبة: الشكر.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].
صور الانحراف عن العبودية: الإعراض عن الشكر (الجحود ونكران النعم).
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
3- الله عز وجل أخبرنا بأنه عزيز- قهار- قاهر- ويجمعها صفة العزة والقهر.
وصف الصفة: والله غالب على أمره – يفعل ما يريد – إن الله بالغ أمره.
آثار الصفة: مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 6].
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 49، 50].
- العبودية المطلوبة: الاستسلام والانكسار لله عز وجل.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188].
من صور الانحراف عن هذه العبودية :
مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58].
4- الله عز وجل وصف نفسه بأنه الملك.
وصف الصفة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 284].
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 2].
من آثار تلك الصفة: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
العبودية المطلوبة: طاعة أوامره.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
- من صور الانحراف عن هذه العبودية: الفسوق والعصيان.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47].
الجانب الثاني
الرسول والرسالة
من جوانب الهداية في القرآن: التعريف برسولنا صلى الله عليه وسلم، وبالرسالة التي حملها إلى البشر.
قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1].
فرسولنا صلى الله عليه وسلم بشر مثلنا، كلفه ربه بحمل رسالته وتبليغها إلي الناس.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110].
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1].
هذا التبليغ يشمل شرح الرسالة القرآنية، وتفصيل المجمل منها.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].
ولقد قام صلى الله عليه وسلم بهذ الدور خير قيام، فالناظر إلى سنته يجد أنها مكملة للقرآن ومفصلة له كما جاء في الحديث: " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"( ).
ففي القرآن والسنة عصمة من الضلال كما قال صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتى"( ).
ولقد تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لكثير من المضايقات، واتُّهم بالعديد من الاتهامات والافتراءات فصبر على ذلك حتى نصره ربه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60].
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127].
تربيته صلى الله عليه وسلم على تمام العبودية:
وكما يُعرفنا القرآن برسولنا صلى الله عليه وسلم ودوره العظيم، فإنه كذلك يُبين لنا كيفية تربيته صلى الله عليه وسلم على تمام العبودية لربه، ليكون لنا نعم الأسوة.
مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188].
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 130، 131].
واجبنا نحوه صلى الله عليه وسلم :
وفي القرآن تعريف بما هو مطلوب منًا تجاهه صلى الله علي وسلم.
فمن ذلك: طاعته صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32].
ومن لوازم طاعته صلى الله عليه وسلم السير في طريقه، واتباع سنته:
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وعلينا كذلك حبه، وتوقيره، والصلاة عليه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
الرسالة القرآنية:
ومع التعريف برسول الله ودوره، وواجبنا نحوه، يأتي التعريف بالقرآن ذاته ليُدرك الناس مدى أهميته :
فالقرآن كتاب هداية كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
يُخاطب العقول فيُقنعها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: 174].
ويؤثر على المشاعر فيؤججها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
يزيد الإيمان: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2].
ويبني اليقين الصحيح: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِين﴾ [الحاقة: 51].

الجانب الثالث
التعريف بالإنسان( )
خلق الله عز وجل الإنسان وجعله مكونا من عقل وقلب ونفس وجوارح.
العقل :
أما العقل: فلقد جعله سبحانه وتعالى محلًا للعلم والمعرفة، به كرَّم الإنسان على سائر مخلوقاته، وأودع فيه من الأسباب والقدرات ما يمكنه من الوصول إلى معرفته بدرجة لم يصل إليها مخلوق من قبل، وليس أدل على هذا من تلك الاختراعات التي وصل إليها العقل كالحاسب الآلي ومركبات الفضاء... إلخ.
والأمر اللافت للانتباه أن الأبحاث الحديثة قد أثبتت أن الإنسان لا يستخدم إلا جزءا يسيرا من قدراته العقلية، فلا تزال في العقول إمكانات هائلة معطلة..
ولا شك أن أي عاقل لا يستخدم عقله ولا يستفيد مما حباه الله به قد أهان نفسه، وسفهها بحرمانها فائدة هذا العضو الشريف.
.. نعم، إن الناس يتفاوتون في قدرات عقولهم، ومع هذا التفاوت فإن الحد الأدنى عند كل عاقل كفيل بأن يُعينه على معرفة الله عز وجل.
من هنا نجد أن القرآن يُعلي من شأن العقل، فتراه يستحث قارئه على استخدامه، فنجد الكثير من الآيات تنتهي بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ولأجل أن يستخدم الإنسان عقله في الوظيفة التي خُلة لها نجد القرآن يدعوه إلى تحرير هذا العقل من أسر التقاليد والأعراف الخاطئة، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: 23، 24].
فتحرير العقل واستخدامه فيما خُلق من أجله مع ضبطه بضوابط الشرع من أهم الوظائف التي يقوم بها القرآن، فمن خلال الفكر الصحيح يصل المرء إلى صحة النقل، فقضية الوحدانية على سبيل المثال خاطب فيها القرآن العقل، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: 4].
فالقرآن إذن يُعرِّف الإنسان بقيمة عقله ويُعلي من شأنه، ويحترمه ويدعوه إلى استخدامه في التفكر، وفهم المقصود من الخطاب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46].
والقرآن كذلك يعرض صورا لأناس أهانوا عقولهم، وعطلوها، فأصبحوا شر الدواب، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22].
النفس:
من تعريفات النفس أنها مجموعة الشعوات والرغائب داخل الإنسان، ومن طبيعتها أنها تحب الراحة وتكره التكليف، وتعمل على الحصول على شهواتها وحظها في كل فعل يقوم به العبد... لا تنظر إلى العواقب، كالطفل الذي يلح على أبويه في الحصول على شيء قد يكون فيه حتفه، فهي كما وصفها القرآن ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53].
- شحيحة، تحب الاستئثار بكل خير، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128].
- لديها قابلية للفجور والطغيان إذا ما أُرخي لها العنان، ولديها كذلك القابلية للانكماش والحذر إذا خوفت، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7، 8].
أما الهوى فهو ما تميل إليه النفس من شهوات ورغائب.
إذن فالنفس هي العقبة الكئود بيننا وبين الله عز وجل، ولقد خلقها الله سبحانه وتعالى بهذه الصفات ليختبر مدى عبوديتنا له.. وهنا يأتي دور القرآن العظيم في تعريف الناس بأنفسهم ونقاط ضعفها وخطورتها، وما فيها من قابليات، ويُرشدهم إلى طريق تزكيتها، ومجاهدتها على القيام بطاعة الله بصدق وإخلاص.
والقرآن يدخل إلى أعماق النفس – أي نفس – حتى آخر نقطة فيها، فيواجهها، ويوجهها، وكأنه قد نزل من أجلها دون غيرها.
ولا يكتفي القرآن بذلك، بل يعرض نماذج للمؤمنين الذين زكُّوا أنفسهم وجاهدوها، ليتأسى بهم القارئ، ويعرض كذلك صورا لأناس تركوا الزمام لأنفسهم وساروا وراء أهوائهم حتى هلكوا.
قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (Cool قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَ﴾ [الشمس: 7 - 15].
القلب:
وفي القرآن تعريف بقلب الإنسان، وأنه الملك على سائر الأعضاء، وأن حياته الحقيقية إنما تكون بالله عز وجل.. هذا القلب يمرض، ومرضه إنما يكون بسيطرة الهوى عليه.
والقرآن يُبين لقارئه صور الهوى التي تُمرض القلب، ويُبين له كذلك كيفية شفائه منها، ويُعدد له وسائل زيادة الإيمان، لتستقيم حياته، وتقوى إرادته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
ولا يكتفي القرآن بذلك، بل يعرض نماذج للصالحين أصحاب القلوب الحية لنتأسى بهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 2 - 4].
ويعرض كذلك صورا لأصحاب القلوب المريضة القاسية لنتجنب مسببات تلك القسوة.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].



يتـــــــــبع





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 4:00 am

الجانب الرابع
التعريف بالشيطان
بعد أن رفض إبليس السجود لآدم عليه السلام طرده الله من رحمته وحكم عليه بالحبس الأبدي في النار، فطلب إبليس مهلة قبل تنفيذ العقوبة.. هذه المهلة هي فترة وجود آدم وذريته على الأرض.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: 79 - 81].
هبط إبليس إلى الأرض ليبدأ في العمل على إضلال البشر وسوقهم معه إلى النار، مستهدفا كل فرد يخرج إلى الدنيا.
﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62].
اعرف عدوك :
فإبليس إذن هو عدونا الذي أخرج أبوينا من الجنة، ويعمل على حرماننا من العودة إليها، بل على مرافقته في النار.. أما الشياطين فهم ذريته وأعوانه: يأتمرون بأوامره، وينفذون مخططاته، وما من يوم تشرق شمسه إلا ولهذا العدو فخ جديد ينصبه، ومحاولة للصد عن سبيل الله يحاولها.
يدخل على كل عبد من مناطق ضعفه، فهذا يدخل عليه من باب حبه للنساء، وهذا من باب حبه لجمع المال، وهذا من باب الإكثار من الطعام، وهذا من باب سوء الظن، وهذا من باب البدعة، وهذا من باب ترك الفاضل وفعل المفضول.
المهم أنه لا يريد أن يخرج صفر اليدين في معركته مع العبد.
.. إنه أمر مُخيف أن نتعامل مع عدو يملؤه الحقد والحسد والكراهية نحونا، ولا يرضى بأقل من النار مصيرا لنا.. يرانا ولا نراه.. نغفل عنه ولا يغفل عنا.. يدخل علينا من المداخل التي نُحبها.
فما العمل إذن ؟! وما السبيل إلى محاربته وتوقِّيه ؟
.. إنه القرآن الذي بين أيدينا، فهو دائم التحذير من خطورة الشيطان، وعداوته المتأصلة للبشر جميعا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].
ويُذكرنا دائما بماضيه مع البشر، وكيف استطاع أن يُضل الكثير منهم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: 60 - 62].
ولا يكتفي القرآن بهذا كله، بل يُبين لقارئه أبوابه، ومداخله عليه، وكيف يحترز منها، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36].
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53].

الجانب الخامس
قصة الوجود ويوم الحساب
الكثير من الناس يدخل إلى الدنيا ثم يخرج منها وهو لا يدري لماذا وُجد فيها، بل إنه لا يُجهد نفسه في البحث عن إجابة عن هذا السؤال، فهو يسير مع غيره.. همُّه جمع المال، وتأمين احتياجاته من مطعم ومشرب وملبس ومسكن.
يتزوج كغيره، ويُنجب الأولاد ليزداد سعيه من أجل تأمين مستقبلهم المادي في الدنيا..
يكبر سنه شيئا فشيئا، وهو يظن أنه قد أدى دوره في الحياة، ثم يموت ليُفاجأ بالحقيقة، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22].
فما هي تلك الحقيقة التي يُفاجأ بها الغافلون عند الموت: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99، 100]. إنها حقيقة الدنيا، وحقيقة المهمة التي خُلقنا من أجلها.
الدنيا دار امتحان :
إننا – معشر البشر – لم نهبط إلى الدنيا ونمض فيها ما نمضي من السنوات لنأكل أو لنشرب أو لنتزوج وتكون لنا ذرية.. بل لأمر عظيم أبت السماوات والأرض أن تحمله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
إنه اختبار في عبادة الله عز وجل بالغيب في ظل تمتعنا بحرية الاختيار، ومع وجود النفس الراغبة في نيل الشهوات، وحب العاجلة.
وشاء الله عز وجل أن تكون الأرض هي مكان هذا الاختبار.. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7].
وحدد لنا سبحانه وتعالى شكل العبودية التي يريدها منا من خلال منهج وأدوات، وجعل المنهج ميسرا وسهلا: تكاليف قليلة، أوامر ونواه ضمَّنها كتابه، وشرحها رسوله صلى الله عليه وسلم، أما الأدوات فهي ما يُعطيع - سبحانه – لعبده أو يمنعه عنه.. فيُعطي بعضهم أشياء مثل المال، الصحة، المنصب،... ويمنعها عن آخرين..
والهدف من العطاء: الشكر. ومن المنع: الصبر.. فمن أعطي مالا ولم يشكر الله عليه فقد رسب في هذا الاختبار، ومن حُرم الأولاد فصبر ورضي فقد نجح وحقق المطلوب منه.
فالعبد الصالح يستقبل العطاء، أي عطاء، مستشعرا قول الله عز وجل: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: 40].
والآخر يستقبله وهو يردد ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: 49]، وهو لا يدري أنه اختبار ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 49].
ويُذكرنا الله عز وجل أنه ليس لأحد أن يملك شيئا من الدنيا، فكل عطاء مُسترد، وسنخرج منها كما دخلنا فيها، فالله عز وجل سيرث الأرض ومن عليها من ذهب وفضة و... فما علينا إلا أن نردد ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156].
لماذا الاختلاف بين الناس ؟
فإذا ما تبين ذلك كانت الإجابة سهلة عن السؤال الذي يشغل بال الكثير، وهو: لماذا الاختلاف بين البشر في العطاء والمنع، وأيهما أفضل: الغنى أم الفقر؟ من عنده أولاد أم من حُرم منهم ؟
الأفضل من ينجح في مادته، فالغني الشاكر خير من الفقير غير الراضي وغير الصابر، ومن حُرم الأولاد فصبر خير ممن رُزق الأولاد ولم يشكر الله عليهم..
فالعبرة في الكيفية التي نتعامل بها مع المنع والعطاء، ويتضح هذا جليا في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا﴾ [الفجر: 15 - 17].
أما الشيطان فهو يدخل علينا من نفس مداخله على أبوينا: الملك والخلد.. فيُزين لنا العطاء على أنه مُلك حقيقي، ويُبهرج الدنيا أمام أعيننا، فنحبها ونتشبث بها، ونتصارع عليها، ثم نُفاجأ بعد ذلك أننا لم نجن من ورائها إلا السراب ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120].
إنها القصة المكررة منذ القدم :
فإن كان هذا هو المنهج وهذه هي الإجابة المطلوبة، فما هو زمن الامتحان، ومن الذي يتولى الرقابة عليه ؟
أخبرنا الله عز وجل بأن وقت الامتحان يبدأ من وقت البلوغ والتكليف وينتهي عند نزع الروح من الجسد، وأخبرنا كذلك بأن باب التوبة مفتوح طوال هذه الفترة، فلنا أن نمحو كل الإجابات الخاطئة، ونستبدلها بحسنات ما لم نغرغر..
أما تسجيل الإجابات والرقابة على الأرض فتتولاها أكثر من جهة، فالملائكة تُسجل كل أعمالنا ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
وأجسامنا شهيدة علينا ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24].
والكون كله يراقبنا ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29].
ومع هذا كله، فالله عز وجل أحاط بكل ذلك، فهو الشهيد – الرقيب – السميع – البصير – القريب - المحيط، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7].
فشدة الرقابة وعدم معرفة نهاية وقت الاختبار يستلزم منا شدة اليقظة، ودوام محاسبة النفس، والحذر من الشيطان، وكثرة التوبة والإنابة إلى الله.
ويبقى السؤال: متى الحساب وإعلان النتيجة؟
يُخبرنا القرآن في عشرات الآيات بما سيحدث للأرض بعد انتهاء امتحان آخر مجموعة من البشر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1 - 5].
فالأرض بعد انتهاء دورها تُخرج كل من فيها من البشر ثم تتحطم ليبدأ يوم الحساب في أرض المحشر.
الكل سيُحاسب ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: 10 - 13].
جميعنا سيأتي يوم القيامة، ولكن كل واحد بمفرده، دون حاشية او أقارب أو معارف ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95].
وستخرج معنا صحيفة أعمالنا وإحاباتنا عن كل شيئ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13، 14].
إنه يوم عصيب ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34 - 37].
يتولى فيه سبحانه وتعالى بنفسه الحساب مع كل فرد ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].
وبعد الحساب تُعلن النتائج وتُوزع الشهادات ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (Cool وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 7 - 12].
فينطلق الناجون إلى الجنة ليتنعموا فيها بالملك والخلد ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20].
ويُساق الراسبون إلى النار حيث الحبس والعقوبة الأليمة ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
القرآن وقصة الوجود :
ولقد أفاض القرآن في تذكيرنا بقصة الوجود، وأخبرنا بما سيحدث لنا، وصوّر يوم القيامة بمشاهده العظيمة، ووصف لنا الجنة والنار وصفا دقيقا.. كل ذلك ليزداد تشميرنا وتنافسنا للفوز بالجنة والنجاة من النار.
إن دوام تذكر يوم الحساب من شأنه أن يُغير حياة الناس، ويجعلهم دائما في خوف ووجل، ويُهوِّن في أعينهم الدنيا، فتخرج من قلوبهم ويتعاملون معها كما يُريد الله عز وجل فيجعلون منها مزرعة للآخرة.
ستصبح تصوراتنا حول مفردات الدنيا من رزق وزوجة وأولاد ومستقبل.. معتدلة، فلن نتصارع من أجل جمع المال، وسنعمل على تأمين مستقبل الأولاد الحقيقي هناك في الجنة، وسنجعل شعارنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].
لذلك أعطى القرآن لقصة الوجود، ويوم الحساب، والوعد والوعيد مساحة كبيرة لتكون لنا عونا على دوام تذكرنا، فلا نُفاجأ بالموت دون أن نستعد له، وذكر لنا كذلك نماذج للإجابات الصحيحة من المؤمنين على مرِّ العصور لتكون لنا مثالا نحتذي به، ونحن نسير في الدنيا، ونتقلب في مواد امتحانها.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ [الفرقان: 63 - 77].
ومع هذه النماذج الطيبة يعرض لنا القرآن كذلك صورا للإجابات الخاطئة لنتجنب تكرارها والقيام بمثلها.
منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: 17 - 27].
والأمر اللافت للانتباه أن القرآن كثيرا ما يصف الدنيا بأوصاف منفرة، مع بيان حقيقتها، لتخرج من قلوب الناس ولا يتعلقوا بها، فحب الدنيا رأس كل خطيئة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 45- 46].

الجانب السادس
معرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة
ما من ملك أو رئيس لدولة إلا ويحكم شعبه من خلال قوانين تنظم حياتهم، وتُعرفهم حقوقهم وواجباتهم.. والفرد الذي يريد العيش في سلام عليه أن يعرف هذه القوانين جيدا حتى يقوم بواجباته ويُطالب بحقوقه..
هذا مع البشر، وفي حيِّز ضيق، فكيف بمالك الملك.. رب الأرض والسماء ؟!
وكيف بمن حرَّم الظلم على نفسه؟ وكيف بمن جعل قيام السماوات والأرض بالحق ؟
قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 22].
فقيام السماوات والأرض بالحق يعني ضمن ما يعني: تسييرها بنظام لا يتغير، ولا يتبدل، وهو ما يُعرف بالسُنن، قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]. فالله عز وجل يُنظم الحياة على الأرض بقوانين تسري على الجميع.. هذه القوانين تنقسم إلى قسمين: مادية، واجتماعية.
القوانين المادية:
فالقوانين المادية تلك التي تنظم حركة المادة في الكون.. كتبديل الليل والنهار، والفصول الأربعة، وكحركة القمر الشهرية، والأطوار التي يمر بها الجنين في بطن أمه.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 20 - 23].
ومنها أيضا وظائف أعضاء الجسم، حيث الحركة المنضبطة للسوائل، والهرمونات، والأجهزة المختلفة كجهاز المناعة، والتنفس، والتمثيل الغذائي، والإخراج، والدورة الدموية.. كل هذه الأشياء تتحرك وفق نظام لا يتغير بتغير رغبة الناس وأمزجتهم، يقول تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71].
هذا بالنسبة للقوانين المادية والتي لا يختلف على وجودها اثنان، بل لقد استطاع الكثير من الكفار أن يستفيدوا منها أكثر من المسلمين لسعيهم الدءوب لاكتشافها، والانتفاع بها، وذلك لأن الله عز وجل قد جعل الأرض سواء للسائلين، فمن أحسن سعيه واجتهد في اكتشاف قوانينها وصل إلى كنوزها التي أودعها ربها فيها :
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10].
القوانين الاجتماعية :
أما القوانين الاجتماعية فهي القوانين التي تنظم حياة الناس وينتج عنها سعادتهم أو شقاؤهم، وهي كالمادية لا تتغير ولا تتبدل، وتنطبق على الأفراد كما تنطبق على الأمم، ومعرفتها من الأهمية بمكان لتحقيق السعادة للفرد، والريادة للأمة الإسلامية.
ونظرا للدور الخطير الذي تقوم به هذه القوانين فلقد أكثر القرآن من ذكرها، وأعطى نماذج كثيرة من تطبيقاتها.
ومن هذه القوانين :
تبديل النعم وسلبها، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53].
ومنها: المحافظة على النعم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
ومنها: قوانين النصر: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
ومنها: نزول البلاء بالناس: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
ومنها عقوبة الظلم: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146].
ومنها: قوانين التيسير: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5 - 7].
ومنها: قوانين التعسير: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (Cool وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 8 - 10].
وغيرها من القوانين التي تضمَّنها هذا الكتاب المبين ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38].
البداية من العبد :
الملاحظ في القوانين الاجتماعية أن هناك قاسما مشتركا بينها وهو أن البداية التي تستدعيها لابد أن تكون من الفرد، فهي كالمعادلات الرياضية، إذا اكتمل الطرف الأول منها تحقق الطرف الثاني.. فالهدى والضلال والسعادة والشقاء، والتوفيق والخذلان، وانشراح الصدر وضيقه، والنصر والهزيمة.. كل هذه الأمور لا تُصيب العبد إلا أذا كانت منه بداية تستدعيها، فالله عز وجل لا يظلم أحدا: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182].
وهو كذلك لا يُحابي أحدا ولا يكرمه إلا بمقدار استقامته وتقواه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
إنها قوانين تُطبق على الجميع أفرادا ومجتمعات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 144].
فالآية تقول للمؤمنين: إنكم حين توالون الكافرين تستوجبون على أنفسكم تطبيق سنن الله فيكم.. من هنا يتضح لنا أن إدراك السنن والقوانين التي يحكم الله بها الحياة، وفهمها، وإسقاطها على الواقع الذي نحياه لابديل عنه لكل من يريد العيش الآمن والسعيد لنفسه في الدنيا والآخرة، ولمن يريد كذلك العزة والرفعة لأمته.
القرآن دستور الحياة:
لأن القرآن كتاب هداية فلقد أفاض في ذكر السنن والقوانين التي تحكم الحياة، وبخاصة الاجتماعية منها لتوقف سعادة الناس عليها. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [ طه: 123، 124].
ولم يكتف القرآن بذلك، بل ضرب الكثير من الأمثلة التطبيقية لهذه القوانين ليزداد يقين الناس بها.
قال تعالى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 53، 54].
ويوضح لنا القرآن كذلك أن للسنن والقوانين وقتا محددا للعمل، فالله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: 129].
ومن أشكال الهداية القرآنية في هذا الجانب: تعريف الناس بكيفية استبدال القوانين، وإيقاف عملها. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98].
فقوم يونس عندما سارعوا بالتضرع إلى الله، والتوبة إليه، أوقف سبحانه وتعالى العذاب الذي كان قد حاق بهم.



يتبـــــــــع





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 4:04 am

الجانب السابع
التعرف على الكون المحيط
نحن في هذا الكون لا نعيش بمفردنا بل هناك عوالم أخرى كثيرة تشترك معنا في الوجود.. منها ما هو مشهود لنا، ومنها ما هو غائب عنا، والقرآن الكريم يعرفنا على هذه المخلوقات وعلى طبيعة العلاقة التي تربطها بنا، وكيف نتعامل معها.
فتخبرنا الآيات مثلا بوجود الملائكة، وأن منها الحفظة، ومنها من يقومون بتسجيل أعمال العباد، ومنها الملائكة السيارة، وحملة العرش.. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10، 11].
ومما لا نراه أيضا: عالم الجن، ويخبرنا القرآن بأنهم مكلفون مثلنا تماما، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
كون مُسخَّر:
هذا بالنسبة لعالم الغيب، أما عالم الشهادة فنحن نرى الكثير من المخلوقات في عالمنا، فما سبب وجودها، وما وظيفتها ؟
يُخبرنا القرآن الكريم بأن الله قد خلق جميع ما على الأرض من مخلوقات من أجلنا.. يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29].
وجعلها مُسخَّرة لنا، لا تمتنع عنَّا، ولا ترفض استخدامنا لها.. فالماء مسخر للإرواء والإطفاء، وكمادة حياة، والنار للتدفئة والإضاءة والإحراق، والنبات لإخراج الثمار، ولإشاعة روح البهجة في نفوسنا،، ولنستظل به، والمعادن تستجيب لتعاملنا معها... الأنعام مسخرة لركوبها، وأكل لحمها، وشرب لبنها... وكل ما في جسم الإنسان من عضلات، وأجهزة وغدد وعمليات حيوية مسخرة له كذلك.
الليل والنهار والشمس والقمر، وكل ما في الأرض يعمل من أجلنا.. كل ذلك لتتفرغ لأداء المهمة التي خلقنا من أجلها، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الجاثية: 12، 13].
هذا الكون المسخر لنا أودع الله فيه الكثير من أسمائه وصفاته، وجعلها تدل عليه سبحانه وتعالى، ودعانا إلى السير في الأرض، والتأمل في مخلوقاته، واكتشاف أسرارها لتزداد معرفتنا به، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: 3 - 5]. إنه كون ينتظر فتحنا، واكتشافنا له.. مئات الأنواع من الطيور التي خلقها الله عز وجل تبحث عمن يكشف أسرارها ويتعرف على الله من خلالها، الأشجار المختلفة، والكائنات العجيبة، ما خلقها الله عبثا ولا سدى، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105].
والقرآن يحثنا في مواضع كثيرة على النظر في آيات الله في الكون، والعمل على فهم الرسائل التي تحملها لنا: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101].
الكون العابد:
ومع تسخير المخلوقات وما تحمله إلينا، فإنها أيضا تشترك معنا في العبودية لله عز وجل تُسبحه، تسجد له، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: 18].
الكل يُسبح لله ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: 1].
إنه كون يغار على حرمات الله، ويغضب لانتهاكها ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 88 - 91].
هذه العلائق المتعددة مع الكون لن نستطيع أن نُدرك معانيها، ولا أن نُحقق مدلولاتها إلا من خلال القرآن... ولعل ما يؤكد هذا الأمر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما نزل عليه قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]، قال: «ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر بها»( ).

الجانب الثامن
حقوق العباد بعضهم على بعض
المتأمل للمعاملات التي تجري بين الناس يجدها لا تخرج عن ثلاثة أقسام :
عدل أو ظلم أو إحسان.
أما العدل فهو إعطاء كل صاحب حق حقه دون زيادة أو نقصان.
وأما الظلم فهو حرمان ذي حق من حقه، والاحتفاظ بالامتيازات.
وأما الإحسان فهو نقيض الظلم، ويعني الفضل والزيادة، بمعنى أنك تُعطي أحد أكثر من حقه عليك.
فعلى سبيل المثال:
دفع الظلم ورده عن صاحبه: عدل لا شيء فيه، أما العفو والصفح عن الظالم فإحسان يُثاب عليه فاعله.
قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 40 - 43].
الشريعة رحمة كلها :
ولأن الشريعة الإسلامية التي شرعها الله لعباده رحمة كلها كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
لذلك نجد القرآن كثيرًا ما يُحذر من الظلم وعاقبة الظالمين، ويعرض الصور المختلفة للظلم ليجتنبها الناس.
مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
ولا يكتفي القرآن بذلك، بل إنه كثيرًا ما يتحدث عن فضل الإحسان ليستثير المشاعر، ويولد الرغبة، ويقوي العزيمة بصوره وأشكاله.
فلقد أخبر سبحانه وتعالى في كتابه أنه يُحب المحسنين.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وأن رحمته سبحانه قريبة منهم: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]، ويُذكرنا بأن مردوده سيعود على صاحبه، قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: 7]، وأن معيته - سبحانه – ستكون للمحسنين ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
وجعل الإنسان طرفا تنعقد به العروة الوثقى مع الطرف الآخر وهو الاستسلام التام لله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: 22].
من فوائد الإحسان :
فإن قال قائل: ولماذا جعل الله الإحسان بين الناس بهذه المنزلة ؟
مما لا شك فيه أن هناك فوائد كثيرة تعود على الفرد وعلى المجتمع إذا ما شاع الإحسان بين الناس.
فعلى مستوى الفرد فالإحسان قادر على علاج شح النفس وأثرتها، والشُح كما نعلم مفتاح كل شر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
وليس الشح مقصورًا على الشُح بالمال، ولكن له أوجه كثيرة كالشح بالوقت والجهد والنصيحة.
أما على مستوى المجتمع: فبالإحسان يتحقق مفهوم الجسد الواحد والأمة الواحدة. فلو انشغل كلٌ منّا بنفسه فقط ما تعلم متعلم، ولا سارع أحد في نجدة ملهوف أو خدمة محتاج، ولا ذهب مسلم إلى مريض ليعوده، أو جار ليزوره، أو لمتخاصمين ليصلح بينهما، وما اشتغل أحد بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، فيؤدي ذلك إلى تفشِّي الأمراض الاجتماعية في المجتمع وانهيار أركانه، فالإحسان إذن ضروري لتحقيق السعادة للفرد والمجتمع.
وصور الإحسان في القرآن كثيرة، منها:
الإحسان إلى الوالدين وبخاصة عند بلوغهما الكبر واستغناء الابن عنهما ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
والإحسان إلى ذوي القربى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
والإحسان لابد أن يُظلل حياة الزوجين ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
وفي حديث الناس مع بعضهم: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].
بل وفي الجدال أيضا إحسان: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
ويُرغب المولى عباده في القيام بواجب الدعوة إليه، فيُخبرهم بأنها أحسن الأقوال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
وليس الإحسان في القول فقط، بل في الخلق والمعاملات بين الناس أيضا، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وأرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى أن الطريق السهل لإنهاء الخصومة هو الإحسان: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
وليس الإحسان في الفعل فقط، بل في الترك أيضا، فالله عز وجل أخبر أنه لا يُحب من كان مُختالا فخورا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18].
والمتتبع لهذا الجانب في القرآن سيجد آيات كثيرة تحدد له كل ما يُحبه الله عز وجل، وما يُبغضه في علاقته بالناس بصفة عامة وبالمؤمنين بصفة خاصة.

الجانب التاسع
فقه الدعوة إلى الله
الإسلام هو دين الله الخاتم للبشرية جمعاء، والقرآن الكريم هو كتاب هذا الدين جاء مصدقا لما سبقه من كتب، وناسخا لشرائعها، ومهيمنا عليها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].
هذا الكتاب المعجز
أنزله الله عز وجل على الناس، وجعله ناطقا بالحق: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].
وكما أشرنا سابقا فإن الهدف الأساسي من نزوله هو هداية الناس إلى الله، وإلى صراطه المستقيم، واستنقاذهم من طريق الضلال، فمن بحث فيه عن الهدى وجده، ومن شك فيه فما عليه إلا أن يقرأ الكتب السابقة التي بين أيدي الناس ليعرف الفارق الكبير بينها وبين القرآن، وليتأكد لديه أنه من عند الله.
فإن كان الأمر كذلك فلماذا لا يؤمن الكثير من الناس بالله وبدينه ؟!
هذا السؤال يُجيب عنه القرآن في عدة مواضع، ويُبين لنا أن ابتعاد الناس عن الحق له سببان لا ثالث لهما: إما جهل بهذا الحق، وإما هوى في قلوبهم يمنعهم من الإذعان له، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50].
لذلك كانت أهمية الدعوة إلى الله لإنقاذ هؤلاء الذين يجهلون الله سبحانه وتعالى، ولقد رفع الله عز وجل من شأنها وجعلها من أعظم ما يتقرب به العبد إليه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
ولكن كيف يُشخص الداعية حال من يدعوه، وهل هو من الذين يجهلون الحق أو يجحدونه؟
إنه أمر صعب لا يستطيع أحد أن يصل إليه، لذلك جعل الله سبحانه دور الداعية، بل الرسول عليه الصلاة والسلام البلاغ والإنذار، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48]، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].
فليس لأحد ان يُرغم أحدا على الدخول في الدين كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، ولكن المطلوب أن يُبين له طريقي الحق والضلال: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256].
ولقد خاطب الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بألا يحزن على عدم إيمان هؤلاء المعرضين: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3].
فهم لا يُريدون الهداية: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: 6].
وعندما انشغل صلى الله عليه وسلم ببعض من هؤلاء المعرضين عن الهداية، وترك آخر يسعى من أجلها عاتبه الله عز وجل بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (Cool وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: 1 - 11].
لماذا يُثيرون الشُبهات ؟
عندما يتمكن الهوى من القلب فإنه يعمل على إغلاق سمع وبصر صاحبه تجاه الحق، بل يدفعه إلى إثارة الشبهات حوله، ليظهر صاحب الحق بمظهر العاجز المهزوم، وينتفش الباطل، ويجد أهل الأهواء لأنفسهم مبررا لاستمرارهم على ما هو فيه.
وما من دعوة لله عز وجل قامت إلا وعمل أصحاب الأهواء على إثارة الشبهات حولها، تأمل معي ماذا قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (Cool انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 7 - 9].
ثم تأمل ما قال الله سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام، وكيف بين دافعهم من وراء هذه الشبهات، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: 10، 11].
صور الهدى :
بيَّن القرآن الصور المتعددة لتمكُّن الهوى من القلب... فالخوف على الرزق وعلى الحياة يُسيطر على الإنسان ويمنعه من قبول الحق.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: 57].
والرغبة في التمتع بالشهوات والفجور دون ضابط ولا رقيب من صور الهوى كذلك.
قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 5، 6]. ومن صوره أيضا حُب العلو في الأرض، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].
متى نرد على الشبهات ؟
هناك شبهات يعرضها بعض المبطلين تحتاج إلى بيان شاف.. نعم هذا البيان لن يؤثر في أهل الأهواء، لكن هناك قطاعا عريضا من الغافلين قد تؤثر فيه هذه الشبهات فيُعرض عن الحق، لذلك حرص القرآن على تفنيدها.
فدحض الشبهات له دور كبير في زيادة إيمان المؤمنين، وذهاب الشك عن المترددين.
ومن صور الشبهات التي يُرددها المُكذِّبون قديما وحديثا أن الكون ليس له خالق، بل إن الطبيعة أوجدته، ومنها أن هناك أكثر من إله في الكون، وأن لله ولدا وزوجة – تعالى سبحانه عن ذلك علوا كبيرا – أو أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس برسول، أو أنه يستحيل أن يكون هناك بعث بعد الموت، ومنها كذلك أننا مُجبرون على ما نقوم به من أفعال أو.... والقرآن حين يرد على هؤلاء تجد رده قويا مُفحما يشرح صدور المؤمنين ويًُزيل الشك عن المترددين.
تأمل قوله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: 13، 14].
وفي قضية البعث: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 78 - 83].
وفي مسألة إثبات عبودية البشر لله عز وجل وأنهم مقهورون بقضائه وقدره، في الأمور الكونية وليس في الأمور الشرعية، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: 83 - 87].
وفي القرآن مواضع كثيرة تُفند الشبهات وتكشف الدوافع من وراء إثارتها.
هذا الجانب عندما يتتبعه الواحد منا في تلاوته للقرآن فإن من شأنه أن يزيده إيمانا ويقينا وعزة بهذا الدين، ويعلمه كذلك فقه الدعوة، وكيف يتعامل مع أصناف الناس، وكيف يستقبل شبهاتهم، ويُصبره على ما يلاقيه من تكذيبهم.
قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: 43].
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].

الجانب العاشر
العبرة من قصص السابقين
القرآن مليء بقصص السابقين من المؤمنين والكافرين، بل إن المساحة التي يُفردها لهذه القصص من أكبر المساحات فيه، وهذا يعني أول ما يعني أنه ينبغي علينا أن نوليها قدرا كبيرا من اهتمامنا.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111].
فكل قصة ذُكرت في القرآن للصراع بين الحق والباطل لها عبر ودروس مستفادة من شأنها أن تُثبت قلوب المؤمنين، وتُهوِّن عليهم مصاعب الطريق، وتُشعرهم بأنهم حلقة مكررة من حلقات التاريخ البشري، وأن ما يحدث معهم ليس بدعا. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120].
كيف نستخلص العبرة؟
إن المتأمل في قصص السابقين يجد فيها تطبيقا عمليا لجوانب الهداية التسعة السابق ذكرها – فيما نرى -، فمن خلالها نرى آثارا لأسماء الله وصفاته كالقوي، المنتقم في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (Cool وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. [الفجر: 6 - 14].
وصفات العزيز القهار في قوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: 70].
وآثارا لصفة القدير، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (Cool قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 8، 9].
ومن خلالها نتعرف على الإنسان عندما يطلق الزمام لنفسه ولا يُجاهدها أو يزكيها، مثل قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: 30].
- ومن جوانب الاعتبار فيها البحث عن دور الشيطان وكيف أضل الكثير من الناس عبر التاريخ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48].
- ونتذكر من خلالها قصة وجودنا، ولماذا أتيت إلى الدنيا وطبيعة الامتحان فيها، ففي قصة قارون نرى مثالا للمرء المخدوع في ماله وسلطانه، وعندما نصحه الناصحون بأن هذا ابتلاء من الله وليس دليل كرامة قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78]... فماذا حدث له ؟: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81].
وفي قصة سليمان عليه السلام نرى مثالا للمؤمن الذي يتعامل تعاملا صحيحا مع كل ما يستقبله من عطاء الله عز وجل، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40].
- ومن قصص السابقين يتأكد لدينا واجبات العبودية لله عز وجل، كالاستغفار، والتوكل، كمثل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 52]. وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: 56].
- وكذلك حقوق العباد بعضهم على بعض، كقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: 181، 182].
- ونرى فيها القوانين والسنن الإلهية وهي تُطبق في الوقت المناسب الذي حدده الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 74 - 76].
- وفي قصص السابقين تطبيق عملي للسنن الاجتماعية التي يحكم الله بها الحياة... تأمل قول الله عز وجل وهو يعرض لنا سنة من سننه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 53]، ثم يعطينا سبحانه وتعالى نموذجا من قصص السابقين كتطبيق عملي لهذه السنة في الآية التي تليها مباشرة، قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54].
- ومن خلال تدبرها نكتشف أن الشبهات التي يُثيرها المكذبون متشابهة على مر العصور، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: 48].
- وفي قصص السابقين نستشعر بأن الكون يتفاعل معنا؛ فتبكي السماء والأرض على موت الصالحين، ولا تبكي على موت الظالمين: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29].
وكأننا نسمع النملة التي تحدثت مع أخواتها من النمل، فيسمعها نبي الله سليمان عليه السلام، ونتجاوب مع الهدهد التي اشتدت غيرته على دين الله عندما رأى قوما يسجدون للشمس من دون الله.

سؤال وجواب :
بعد انتهاء الحديث عن الجوانب العشرة للهداية الربانية يبقى سؤال يحتاج إلى إجابة، وهو: هل القرآن لا يحتوي إلا على هذه الجوانب العشرة التي ذُكرت.. وهل من الممكن أن نُضيف إليها جوانب أخرى ؟
نعم.. يُمكننا ذلك، فليس معنى ما قيل في الصفحات السابقة هو حصر الهداية في هذه الجوانب العشرة فقط، فمن وجد جانبا أو أكثر يُمكن إضافته لما سبق فليفعل، والله المستعان.




الفصل الثالث


القرآن والتغييـر

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2].
في هذه الآيات تحذير شديد للمؤمنين من مخالفة فعلهم لقولهم.
والمُشاهد لأحوالنا يجد أن الحال يختلف عن المقال، فالكثير يتكلم وينصح والقليل من تتمثل فيه هذه الأقوال والنصائح.. الكل يريد أن تكون أفعاله على مستوى أقواله لكنه لا يستطيع، فإن تكلف ذلك فترة من الزمن فسرعان ما يعود إلى سابق عهده.
وليس معنى هذا عدم مطابقة الفعل للقول بالكامل، فهذا هو حال المنافقين والعياذ بالله، وإنما المقصد هو وجود بعض السلوكيات الخاطئة التي تتنافى مع ما يُحبه الله ويرضاه.
أمثلة من الواقع:
نحن كثيرا ما نتحدث عن الأولاد أنهم هبة من الله عز وجل، وليس بيد أحد من الناس اختيار نوع المولود، فإذا ما رُزق البعض منّا بأنثى شعر بالضيق في صدره، فإذا ما تكرر ذلك ازداد ضيقه، والذي قد يدفعه إلى اتهام زوجته بأنها السبب في ذلك.
ومن صور التناقض بين القول والفعل أيضا أننا نتكلم عن ضرورة المساواة بين الأبناء ويفعل بعضنا عكس ذلك.
ونتكلم كذلك عن ضرورة الإحسان إلى الزوجة ومعاشرتها بالمعروف، ونتبارى في إلقاء الكلمات المُعبرة عن ذلك، وإذا بشكاوى الزوجات من سوء معاملة أزواجهن تصُمُّ الآذان.
- نتحدث كثيرا عن حقيقة الدنيا وأنها دار ارتحال وليست دار مقام، فلن يأخذ الإنسان – أي إنسان – شيئا معه عند خروجه منها، ثم تجد منّا الحرص على التملك فيها، واللهفة على تحصيل أكبر قدر منها، وكأننا لن نُغادرها.
... وغير ذلك من الأمثلة التي تكشف حجم الهوة بين الواجب والواقع، والقول والسلوك.
أين القدوة ؟
إذن فنحن أمام مشكلة السلوك الخاطئ ونُدرة وجود الشخص القدوة الذي يقترب فعله من قوله، فضلا عن أن يتطابق معه.
وقبل أن يشرد الذهن باحثا عن حل لهذه المشكلة لابد من معرفة أسبابها... هذه الأسباب تدور في مجملها حول النقاط التالية :
1- الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي ترسَّبت في عقل الفرد على مر السنين، وأصبحت من الثوابت التي تُشكل المنطلق الأول للسلوك.
2- غياب الفهم الصحيح للإسلام والذي قد يؤدي إلى تضخيم فرع من الفروع على حساب أصل من الأصول.
3- ضعف الإيمان: فالإيمان هو الدافع للأعمال الصالحة وعلى قدر وجوده في القلب يكثُر حجم تلك الأعمال.
4- عدم جهاد النفس على لزوم الصدق والإخلاص: فقد يقوى داعي الإيمان في القلب وينتصر على داعي الهوى، ويقوم المرء بما يأمره به إيمانه، لكنه لا يستفيد من تلك الأعمال ولا يصل أثرها إلى القلب، بل تتعرض للإحباط وعدم القبول من الله، وذلك بسبب أن النفس تُريد أن تأخذ حظها من تلك الأعمال، إما بدفع صاحبها إلى الإعجاب والاغترار بها واعتبار أنها السبب في القيام بهذه الأعمال، أو بدفعه للتحدث بها وتزيينها أمام الناس، وكلا الأمرين يؤديان – والعياذ بالله - إلى إحباط العمل.
المعجزة الكبرى :
إذن فلكي يُصبح الواحد منَّا ذا سلوك سَوِي، بفهم صحيح، وبصدق وإخلاص لابد أن يشمل التغيير عقله وقلبه ونفسه.
فإن كان الأمر كذلك فما هو المنهج القادر على إحداث هذا التغيير في هذه المحاور الثلاثة، والذي ينبغي أن يكون ميسرا للجميع ؟!
... هنا يأتي دور القرآن العظيم، وتظهر قيمة معجزته الكبرى.
فالقرآن لا يكتفي بتعريف الناس طريق الهدى، ولا يؤدي فقط دور المصباح الذي يشع النور فيُبدد الظلمات، ويُنير طريق السالكين إلى الله، بل يقوم بنفسه بإخراج مَن يتمسك به من الظلمات إلى النور، وتغييره وإعادة تشكيله ليُصبح عبدا مخلصا لله في كل أموره وأحواله.
وهذا هو سر معجزته والتي جعلته تتفوق على سائر المعجزات الأخرى كمعجزة عيسى – عليه السلام – في إحياء الموتى، أو عصا موسى، أو ناقة صالح....
قد يقول قائل: إن معجزة القرآن تكمن في أسلوبه، وبلاغته، وتحدِّيه للبشرية، وأنه صالح لكل زمان ومكان و... .
... نعم، هذا كله من أوجه إعجازه، ولكن يبقى سر إعجازه الأعظم في قدرته على التغيير... تغيير أي إنسان، ومن أي حال يكون فيه، ليتحول من خلاله إلى إنسان آخر عالما بالله عابدا له في كل أموره وأحواله، حتى يتمثل فيه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
كيفية التغيير القرآني:
الوسائل التي يستخدمها القرأن في تغيير الفرد، وإحداث انقلاب جذري وشامل في كيانه تصُب في محاور ثلاثة: العقل والقلب والنفس، وبقدر استخدام تلك الوسائل يكون التغيير، وفي ذلك تفصيل... .

المحور الأول
القـــــــــرآن والعقـــــــل
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78].
فالجنين يخرج من رحم أمه إلى الدنيا وهو لا يعلم شيئا، ويبدأ تدريجيا في التعرف على العالم من حوله من خلال بيئته الصغيرة المحيطة به، ففيها يكتسب معارفه الأوليه، وبمرور الأيام والسنين ومع اتساع دائرة حركته، وتنوع وسائل المعرفة التي يستقي منها معلوماته، وتتكون لديه مجموعة من الثوابت والتصورات عن نفسه وعن كل ما يُحيط به ويتعامل معه، مثل نظرته للمال، الدراسة، الزواج، الصداقة، القوة، الموت، عالم الغيب...
ومما لا شك فيه أن هذه التصورات تختلف من شخص لآخر باختلاف المشارب والبيئات والمنابع التي يستقي منها الفرد معلوماته، وعلى أساسها يتكون فكر الإنسان وثوابته الخاصة..
هذا الفكر وهذه الثوابت تُشكل المنطلق الأساسي للسلوك الخارجي، فالإنسان – أي إنسان – يتحرك من خلال قناعاته الشخصية، وإذا ما أردت تغيير سلوك شخص ما فعليك أولا أن تبدأ بتغيير قناعاته تجاه ما تُريد، أما إذا حاولت أن تقفز مباشرة إلى السلوك لتغيره دون أن تبدأ بالفكر، فلن تصل إلى النتيجة التي ترجوها، وإن أبدى أمامك استجابة سريعة لأوامرك – وبخاصة إذا ما كان لك عليه سلطان – فإن هذه الاستجابة تكون وقتية لا تستمر طويلا.
... لابد إذن من مخاطبة العقل وتغيير الفكر والمعتقد أولا إذا ما أردنا تغيير السلوك.
تجارب عملية :
لبيان مدى تأثير القناعات والمعتقدات على سلوك الإنسان يقول د. مالك البدري :
إن تأثير العوامل النفسية على الناحية الجسمية العضوية أمر بدهي يلاحظه الفرد في حياته اليومية، فهو يضطرب وتزداد ضربات قلبه عند تلقيه أخبارا مفزعة أو مؤلمة، كما يحمر وجهه خجلا وحياء إن كان من أصحاب البشرة البيضاء.
ومن أهم الظواهر أيضا تحسُّن الحالة الصحية الجسمية لكثير من المرضى عند تناولهم لحبوب وكبسولات لا تحتوي على أي مادة فعَّالة لكنهم يعتقدون أنها عقاقير مفيدة. فقد لا تحتوي الكبسولات إلا على قليل من السكر لكن الطبيب يؤكد للمرضى أنها ذات فائدة مضمونة.
وفي بعض الحالات يقوم الطبيب بحقن المرضى بمحلول الماء والملح بعد إيهامهم بأن هذه الحقن تحتوي على دواء ممتاز. وقد أثبتت الدراسات المتكررة بأن هؤلاء المرضى تتحسن حالتهم بدرجة واضحة تكاد في بعض الأحيان تصل إلى مستوى أولئك الذين تلقوا عقاقير حقيقية.
ولقد ظهرت مئات المؤلفات التي تدعو لتحسين صحة الإنسان الجسمية بتغيير أفكاره ومشاعره وانفعالاته.. ذلك لأن الذي يُشكل فكر الإنسان ونشاطه المعرفي ليس هو الأحداث والمثيرات التي يتعرض لها في بيئته بشكل مباشر، بل الذي يؤثر بالفعل هو تقييمه وتصوراته لهذه الأحداث والمثيرات( ).
من هنا يتبين لنا أن الخطوة الأولى والأساسية لتغيير سلوك الإنسان هي تغيير فكره، وليس المقصد من تغيير الفكر تلك القناعة العابرة التي يُبديها العقل نتيجة قراءة أو مناقشة، فهذا من شأنه أن يُحدث تغييرا وقتيا ينتهي مفعوله بغياب الفكرة من العقل، ولكن إذا ما أردنا تغييرا مستمرا فهذا أمر آخر يتطلب الحديث عن الشعور واللا شعور.
الشعور واللا شعور :
البعض منَّا يخاف من الظلام، فإذا ناقشته وجدته مقتنعا بعدم وجود ما يُبرر خوفه، لكنه مع ذلك يستمر كما هو، والناس يتحدثون عن العدول والمساواة ولكن عند التطبيق يظهرون بالقيم العشائرية...
فما السبب في ذلك ؟
السبب الرئيسي لهذا التناقض بين القول والفعل أن العقل يستقبل المعلومات بجزئه المُدرك الواعي والذي يُسميه العلماء بالشعور.. هذه المعلومات لن تستطيع ان تكون دافعا مستمرا للأعمال إلا إذا أصبحت علما راسخا عند الإنسان، وانتقلت من منطقة الوعي والإدراك والشعور إلى منطقة اللاشعور، أو العقل الباطن، أو الأخفى على حد تعبير القرآن.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7].
فالسر – كما يقول ابن عباس رضي الله عنه –: ما أسرَّ ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله ( ).
فاللا شعور، أو الأخفى هو منطقة العلم الراسخ اليقيني عند الإنسان، ومن خلاله تنطلق الأفعال بصورة تلقائية.
ولقد ضرب القرآن مثالا لأناس اعتقدوا أنهم مصلحون، ولكن سلوكهم يدل على عكس ذلك.. لماذا ؟
لأنهم يُفسدون بطريقة تلقائية من اللا شعور.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12].
والأمر الجدير بالانتباه كما يقول د. ميسرة طاهر: أن حوالي 60% من سلوكنا اليومي ومن أفعالنا وأقوالنا مصدرها (الأخفى).
ويستطرد قائلا: والأدلة على وجود الأخفى كثيرة، منها: المخاوف الشاذة، فكثيرا ما نرى كبارا وصغارا يخافون مما لا ينبغي الخوف منه، كالأماكن المرتفعة، والقطط، فمثل هذه المخاوف لا يمكن أن نجد لها تفسيرا على مستوى العقل الواعي.
ومنها كذلك فلتات اللسان، وهي الكلمات التي نتفوَّه بها دون إرادة منَّا، وعند اكتشاف الفرد لمثل هذه الفلتات فغالبا ما يعتذر عنها، ويقول: لم يكن قصدي أن أقول هذا...
ومن مظاهر وجوده كذلك ألعاب الأطفال، فمن يُراقب الأطفال يجد أنهم يخرجون من عقلهم الباطن كل ما يُضايقهم ليصبُّوه على ألعابهم سواء بالحركات أو بالكلمات( ).
ومن الأوقات التي تُظهر الأخفى بصورة جلية: لحظات الاحتضار، حيث يكاد العقل المُدرك أن يتوقف ليُفسح المجال للأخفى ليُعبِّر عما بداخله، ويظهر هذا بوضوح من خلال تباين استجابة المحتضرين لمن يُلقِّنهم الشهادة، بل قد نجد الواحد منهم يُردد ما كان يغلب على اهتماماته في حياته.
جاء في كتاب الداء والدواء لابن القيم: أنه قيل لرجل يحتضر: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء، ويقول ابن القيم: وأخبرني من حضر الشحاذين عند موته فجعل يقول: لله، فِلْس لله، حتى قُضي.
وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه (لا إله إلا الله) وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشْتَرِ جيد، هذه كذا، حتى قُضي( ).
علاقة العقل المُدرِك بالأخفى (أو علاقة الشعور باللاشعور).
ما من معلومة ترسخ في اللاشعور إلا وتمر عليه من خلال الشعور أو العقل المُدرك.. مع العلم أن كل فكرة نعتقد بصحتها حتى لو كانت خرافة فإن اللاشعور يقبلها دون مناقشة، أما رسوخها فيه لتُصبح يقينا ومُنطلقا للفعل التلقائي فهذا يحتاج إلى تكرار مرورها إليه من العقل المُدرِك... وإليك بعض الأمثلة التي تُوضح ذلك الأمر :
عندما نتعلم أحكام تلاوة القرآن فنحن نتعلمها بالعقل المُدرِك، وبالمداومة على تطبيقها ترسخ هذه المعلومات في اللاشعور، فيُطبِّق المرء الأحكام دون تفكير فيها، وقد ينسى القارئ نَص الحكم التجويدي ومع ذلك يستمر في تطبيقه بصورة صحيحة.
والذي يتعلم قيادة السيارة فإنه يتعلمها بالشعور، ثم بالمداومة والممارسة ترسخ المعلومات في اللاشعور، مما يجعله يقود سيارته دون تفكير، وقل مثل هذا على الذي يتعلم الكتابة على الكمبيوتر والذي لا يستطيع في البداية كتابة حرف دون النظر إلى مكانه في لوحة الحروف، وشيئًا فشيئًا يستطيع الكتابة وهو ينظر إلى الآخرين.
إذن فتحول المعلومة من الشعور إلى اللاشعور وثباتها فيه يحتاج إلى تكرار التفكير فيها واسترجاعها بين الحين والآخر وإلَّا تلاشى وجودها شيئا فشيئا.. فكم من مهارات وأعمال وأناشيد وجُمَل مأثورة تعلمناها في الصِغر ودخلت اللاشعور، ثم تلاشت منه أو كادت بسبب إهمالها وعدم استرجاعها كل فترة.
من هنا تأتي أهمية الممارسة العملية المتكررة المعبرة عن الأفكار التي نُريد ترسيخها في اللاشعور، ولعلنا نلمح هذا المعنى من تأكيد رسولنا صلى الله عليه وسلم على أهمية المداومة على العمل – وإن قَلَّ – ليظل مدلوله راسخا في اللاشعور.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ»( ).
القرآن واللاشعور :
مما سبق يتبين لنا أن من أسباب عدم مطابقة الفعل للقول هو ما ترسب لدى الإنسان في عقله الباطن من أفكار ومعتقدات، والتي من الجائز أن يقتنع العقل المُدرك بعكسها في لحظة من اللحظات، لكنه عند التطبيق يصدر منه سلوك مُعبر عن يقينه ومعتقداته الراسخة لديه.
فعلى سبيل المثال: لو ناقشت إنسانا ما في قضية الرزق وأنه بيد الله عز وجل وقد ضَمِنه لنا، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فستجد منه اقتناعا تاما بذلك، ولكن عند التطبيق في معترك الحياة نجد أن الأمر يختلف، حيث اللهفة والحرص على المال وكثرة التفكير في المستقبل والخوف من الفقر...
إذن فالخطوة الأولى في تغيير السلوك تبدأ بتغيير ما ترسب لدينا من أفكار ومعتقدات خاطئة واستبدالها بأفكار ومعتقدات صحيحة.
هذا التغيير – كما مرَّ علينا – يستلزم ثلاثة أمور :
أولًا: اقتناع العقل المُدرِك بالأفكار الجديدة.
ثانيًا: تكرار مرور تلك الأفكار على العقل.
ثالثًا: ممارسة مقتضيات تلك الأفكار.
.. وهذا ما يفعله القرآن.
فالقرآن يُعيد تشكيل العقل من جديد، ويُصوِّب كل فكرة خاطئة لديه، ويبني فيه اليقين الصحيح لكل الأفكار والمعتقدات.
ولكن كيف يتم ذلك ؟
المتأمل في كتاب الله سيجد العديد من الوسائل التي يستخدمها في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في اللاشعور، ومن أهم هذه الوسائل :
أولا: الاقتناع :
فالاقتناع بالفكرة هو الخطوة الأولى في طريق التغيير، حيث يسمح العقل المُدرِك بمرورها بعد ذلك إلى اللاشعور ليصبح السلوك المعبر عنها يصدر بطريقة تلقائية.
من هنا يبرز احترام القرآن للعقل ودوام مخاطبته وإقناعه بأهمية الفكرة المطروحة. والقارئ المُتدبر يجد المولى سبحانه وتعالى – وهو الكبير المتعال – يُخاطب عقولنا، ويُبيِّن لنا الكثير من الأمور التي من شأنها أن تُقنعنا بما يُريده منَّا، بل إنه سبحانه وتعالى يدعونا في كتابه إلى استخدام عقولنا والتفكر في كلامه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: 4].
ويرُد القرآن على ادعاء النصارى بألوهية المسيح عليه السلام أو أمه، فيقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75].
ومن وسائل الإقناع التي يستخدمها القرآن: ضرب الأمثال، والتي تُعتبر من أهم وسائل تبسيط المعلومة وربط الذهن بها، فالمعلم القدير – كما يقول جودت سعيد – هو الذي يُقدم العلم للناس في أمثلة تجعلهم يقتربون من الموضوع أكثر( ).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 27].
ومن أمثلة القرآن ذلك المثال الذي يُبيِّن خطورة الرياء، وعدم الإخلاص لله، وكيف سيكون حال صاحبه وهو يرى جهده وتعبه قد ضاع، هو أحوج ما يكون إليه.
يقول تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 266].
ومن وسائل الإقناع كذلك :
استخدام الطريقة الاستنتاجية بطرح الأسئلة وترك الإجابة للعقل ليصل إلى المعنى المراد من ورائها، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: 33].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28].
ثانيا: تكرار الموضوعات :
.. نعم الاقتناع بالفكرة هو الخطوة الأولى في طريق التغيير حيث تنتقل هذه الفكرة من العقل المُدرك إلى اللاشعور، ولكنها لن تستقر فيه إلا إذا حدث لها تكرار وتكرار.
ولعلنا جميعا نلحظ ذلك، فعندما يحدث اقتناع بفكرة ما في لحظة من اللحظات تجد الواحد منَّا كثيرا ما يُعبر عن هذا الاقتناع بعمل من الأعمال، كمن قرأ أو سمع عن أهمية مساعدة المحتاجين ثم وجد أمامه محتاجا، ففي الغالب أنه سيتصدق عليه ولو بالقليل، هذا الفعل قد لا يتكرر من صاحبه ثانية إلا إذا استمر التذكير بأهميته بين الفينة والأخرى.
من هنا تبرز قيمة التكرار كوسيلة من وسائل بناء اليقين الصحيح والتي يستخدمها القرآن، فالمتتبع للموضوعات المطروحة فيه يجدها متكررة ومتشابهة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: 50].
وصرَّفناه أي: كررناه بأساليب مختلفة..
ومن فوائد التكرار كذلك أنه يجعل القارئ في حالة دائمة من التذكر واليقظة.
والموضوعات التي تتكرر في القرآن كثيرة، تَقِف على قِمَّتها تلك الموضوعات التي تتناول جوانب الهداية فيه، والتي تمَّ ذكرها في الفصل السابق.
فالتعرف على الله عز وجل يحتل مساحة ضخمة في القرآن، ولا تكاد تمر آية إلا وتجد فيها تعريف بالمولى سبحانه وتعالى وبحقوقه علينا من عبادات قلبية وجوانب تشريعية.
ومن الموضوعات التي تتكرر كثيرا في القرآن: قصة وجودنا على الأرض، وطبيعة الدنيا وأنها دار امتحان ينتهي بيوم عظيم للحساب، تُعرض فيها الأعمال، وتُعلن النتائج، ليفوز الناجحون بالجنة





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 4:07 am

المحور الثاني
القلب والقرآن
.. نعم إن الاقتناع العقلي هو المنطلق الأساسي للسلوك، ومع هذا يبقي هذا الاقتناع بحاجة إلى رضا قلبي لتنطلق به الجوارح بالأفعال المؤيدة لما في العقل من أفكار، فالعقل مهما كان وضعه إلا أنه في النهاية ما هو إلا جندي من جنود القلب، فالقلب هو الملك، وما من عمل تقوم به الجوارح إلا ويمر من خلال القلب ويأخذ موافقته ورضاه عليه، كما قال تعالى :
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 113].
فالسلوك يبدأ – كما توضح الآية – بإصغاء من القلب لصوت العقل ثم رضا بذلك لتكون النتيجة اقتراف الفعل..
وهذا ما يؤكده كذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَ﴾ [التحريم: 4]، أي: أنصتت قلوبكما لصوت العقل وارتضته فكانت التوبة.
فالاقتناع العقلي هو نقطة البداية التي لابد أن يتبعها إصغاء من القلب ثم رضًا منه بمقتضياته.. ولكن قد يقتنع العقل بقضية من القضايا لكن القلب لا يستطيع أن يتخذ القرار بتنفيذ مقتضى هذا الاقتناع.. أتدرون لماذا ؟!
لغلبة سلطان النفس وهواها وسيطرتها عليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50].
فما هو الهوى وما مدى علاقته بالقلب ؟
القلب بين الإيمان والهوى :
من تعريفات القلب أنه مجموعة المشاعر والعواطف داخل الإنسان من حب وكُرْه، وفرح وخوف ورجاء، والقلب كما نعلم هو الملك على سائر الأعضاء كما في الحديث: «.. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» ( )... هذا القلب يتجاذبه طرفان: إيمان وهوى.
أما الإيمان فهو تصديق القلب لحقائق العقل، أو بمعنى آخر: اتجاه المشاعر لما قرره العقل من حقائق، فالإيمان محله القلب كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14].
والإيمان مشاعر كما في الحديث: «ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان ن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» ( ).
وأما الهوى: فهو اتجاه المشاعر لما تميل إليه النفس من شهوات حسية كانت أو معنوية.
وعلى قدر قوة أحد الطرفين – الإيمان أو الهوى – تكون له الغلبة على إرادة القلب، ومن ثَمَّ يكون من نصيبه الأمر الصادر من القلب إلي للجوارح.
ففي الحديث: «لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن» ( ).
فلحظات الزنى أو السرقة أو القتل عكست انتصار الهوى على الإيمان، وقوة سيطرته على المشاعر.
الإيمان أولًا:
إذن فعندما نرى سلوكًا معوجًا من شخص ما: كمن بدأ يتهاون في أداء الصلاة، أو من يطلق بصره إلى المحرمات، فإن هذا يعكس قوة سلطان الهوى على مشاعره، ومن ثَمَّ فإن الطريقة الصحيحة لتقويمه ليست بإنكار أفعاله فقط، فهو يعلم جيدًا خطأ ما يفعل، وإنما تكون بالعمل على زيادة الإيمان في قلبه ليصبح هو الدافع للأعمال. وهذا ما نلحظه في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
وفي الدعاء: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك» ( ).
مرض القلب وصحته:
معنى مرض القلب: أي عدم صحته، أو بعبارة أخري: اتجاه مشاعره نحو الهوى حتى يسيطر عليه، وبقدر هذه السيطرة يكون المرض، وعندما تتجه المشاعر كلها للهوى يتمكن المرض من القلب وتنتفي عنه الصحة، ويصبح داعي الهوى هو الآمر الناهي المطاع، كما صور ذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43].
وصور اتباع الهوى كثيرة، وتشمل كل ما تميل إليه النفس، ويجمعها قاعدة واحدة تنطلق منها وهي: حب الدنيا.
فمن تلك الصور: اتباع الشهوات، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].
ومنها: طلب العلو في الأرض: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].
ومنها كذلك: الخوف على الرزق والحياة. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: 57].
وفي المقابل فإن عودة القلب إلي صحته تعني: تخلصه مشاعره من سيطرة الهوى واتجاهها إلي الله عز وجل.
قال صلي الله عليه وسلم: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» ( ).
القلب الحي :
عندما تتحرر المشاعركلها من سلطان الهوى وتتجه إلي الله عندئذ يصبح القلب حيًا أبيضًا، يشع النور من جنباته، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض.. كما في الحديث: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها، نُكِتت فيه نُكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نُكِتت فيه نكته بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مربادًا كالكوز مُجَخِيًا، لا يعرف معروفًا، ولا يُنكِر منكرًا، إلا ما أُشرِب من هواه»( ).
فإن استغل الشيطان منه غفلة، تذكر الله فعاد إلي ما كان عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].
وخلاصة القول: أن التغيير المنشود يستلزم بالإضافة إلى إعادة تشكيل العقل: دخول الأيمان في القلب، وتقويته في مواجهة الهوى، والعمل الدائم علي زيادته حتى يسيطر تمامًا على المشاعر ليعيد القلب إلى كامل صحته وحياته.
فإن كان هذا هو المطلوب للقلب ليحدث التغيير المنشود في السلوك، فكيف يمكن للقرآن أن يفعل ذلك؟!
القرآن ودوره في دخول الإيمان القلب:
دخول الإيمان والنور في القلب نعمة عظيمة من الله عز وجل، كما قال تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: 50].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: 111].
فالإيمان محض فضل من الله عز وجل يمنحه لمن يجد عنده الرغبة فيه، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم»( ).
ومما لا شك فيه أن القناعة العقلية هي مبدأ هذه الرغبة.. هذه القناعة لابد لها أن تمتزج بميل قلبي وعاطفة تنتظر اللحظة المناسبة التي يمُنُّ الله فيها عليها. فتتوهج وينشرح صدر صاحبها للإيمان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125].
وهنا يأتي دور القرآن:
فمن أقبل على القرآن وهو يبحث فيه عن الهدى وجده.. لماذا ؟!
لأنه سيجد فيه ردًّا شافيا على ما يتردد في عقله من تساؤلات حول قضية الوحدانية، وقصة الوجود وما بعد الموت و..
لكن هذا كله لا يكفي – كما ذكرنا – فالقناعة العقلية إن لم يصاحبها إصغاء قلبي فستظل حبيسة العقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: 36].
وهنا يأتي الدور الآخر للقرآن ألا وهو قدرته على إثارة المشاعر وتأجيجها، فالقرآن ليس تذكرة للعقول فقط، ولكنه أيضا موعظة تثير المشاعر والعواطف.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
دور الموعظة :
الموعظة كالسياط تهز القلب، وتهيئ للإصغاء إلى صوت العقل فتنشأ الرغبة، ويزداد الشوق إلى الإيمان الذي يدخل نوره القلب في الوقت الذي يحدده الله سبحانه وتعالى.
وهنا أمثلة كثيرة توضح قدرة القرآن على مخاطبة العقل وإثارة مشاعر القلب في نفس الوقت، مما يُهيئ سامعه للهداية إن استمر في التعامل معه.
وإليك هذا المثال والذي نراه يتمثل في أحد صناديد الكفر –عتبة بن ربيعة – الذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحاوره، ويعرض عليه ترك دعوته ودينه مقابل ما يُريد من مال أو جاه أومُلك.
فما كان من رسول الله إلا أن انتظر حتى فرغ من كلامه ثم تلا عليه صدر سورة فصلت حتى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: 13].
فلم يستطع عقبة أن يتحمل أكثر من ذلك فوضع يده على فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم أن يسكت، وعاد إلى قومه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله من قبل، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم( ).
والمتأمل للآيات التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتبة يجدها تُخاطب العقل وتقنعه بوحدانية الله عز وجل وبملكه التام والمُطْلق لهذا الكون، وفي نفس الوقت فإن الآيات تُثير المشاعر وتهز القلب وتخوفه، فينتج عن هذا امتزاج الفكر بالعاطفة، وهذا ما حدث لعتبة لكنه لم يستثمر الفرصة العظيمة التي سُنحت له.
القرآن يمزج االفكر بالعاطفة :
إليك مثال آخر يوضح طريقة القرآن في مزج القناعة العقلية بالعاطفة القلبية.
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23].
فهذا خطاب موجَّه للعقل يحمل تحديًّا معجزًا ولكن هذا وحده لا يكفي لحدوث الرضا القلبي، بل لابد من هزِّ القلب، وإثارة مشاعره، وهذا ما نجده في الآيات التالية للآية السابقة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 24- 25].
فامتزاج الفكر بالعاطفة هو طريقة القرآن الفريدة في تحويل وجهة القلب إلى الله عز وجل، لينتظر القلب بعد ذلك فضل الله سبحانه وتعالى في إدخال نور الإيمان إليه.
القرآن وزيادة الإيمان :
مع دور الإيمان العظيم في دخول الإيمان للقلب فإنه يعمل كذلك على زيادته فيه وذلك من خلال ثلاث وسائل :
الأولى: أنه بنفسه يزيد الإيمان :
فكما مرَّ علينا سابقا أن معاني الإيمان، اتجاه المشاعر إلى الله عز وجل.. معنى ذلك أن الإيمان يزداد في لحظات التجاوب والانفعال القلبي لكل ما هو لله. والقرآن يقوم بذلك من خلال قدرته على التأثير في مشاعر قارئه بمواعظه البليغة وسلطان ألفاظه وبخاصة عند ترتيلها والتغني بها.
.. نعم في البداية قد يكون التجاوب بطيئا بين العقل والقلب، ولكن بالمدوامة على القراءة مع يقظة الذهن سيزداد التجاوب والانفعال.. هذا التجاوب يعني زيادة الإيمان في القلب، وكلما استثمر الشخص لحظات التأثر بترديد الآية التي أثرت فيه: ازداد الإيمان في قلبه.
الثانية: الطاقة المتولدة من القرآن:
فاستثارة المشاعر تولد طاقة في نفس صاحبها، فإن استثمر تلك الطاقة بحُسن تصريفها في أعمال مصاحبة للقراءة كالدعاء أو السجود مثلا: ازداد الإيمان أكثر وأكثر، وهذا ما نجده في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107 - 109].
فعندما ترجم هؤلاء الصالحون شعورهم عند استماعهم للقرآن بالسجود والبكاء، انعكس ذلك على القلب بزيادة خشوعه وخضوعه لله عز وجل.
الوسيلة الثالثة: الدلالة على أوجه البر:
فالقرآن يدل على أعمال من شأنها أن تزيد إيمانه كالصلاة والصيام وقيام الليل.
فعلى سبيل المثال: نجد القرآن كثيرا ما يستحث القارئ على الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الروم: 38].
فالإيمان كما نعلم يزيد بالطاعة وتنقص بالمعصية، فإذا ما قام العبد بهذه الأعمال فإن أثرها يعود على القلب مرة أخرى بزيادة مساحة الإيمان فيه.
القرآن وشفاء القلب :
السبب الرئيسي لمرض القلب هو الهوى، وشفاؤه بالإيمان، وطريقة القرآن الفريدة في شفاء القلب هو «الإحلال» بمعنى استخدام قوة الإيمان ليحل محل الهوى كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18].
ويضرب القرآن مثلا لهذه الطريقة في العلاج، يقول تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: 17].
القرآن وحياة القلوب ( الولادة الثانية ) :
بالمداومة على قراءة القرآن ومع ازدياد فترات تجاوب القلب مع العقل: يزداد الإيمان شيئا فشيئا، ويحل محل الهوى في القلب، إلى أن تأتي لحظة من أجمل لحظات الحياة وهي تحرر القلب بالكامل من الهوى وولادته من جديد: قلبا حيا، يقظا، نابضا، يتحرك ويخشع، ويجده صاحبه معه عندما يريده.. هذه اللحظة السعيدة سماها العلماء «الولادة الثانية».
يقول ابن القيم: «فللروح في هذا العالم نشأتان: إحداهما النشأة الطبيعية المشتركة، والثانية نشأة قلبية روحانية، يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما وُلد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن، ومن لم يصدق هذا فليضرب عنه صفحا وليشتغل بغيره.
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام قال للحواريين: «إنكم لن تلجوا ملكوت السماوات والأرض حتى تولدوا مرتين» ( ).
وعندما تتم هذه الولادة، ويُولد القلب الحي، عندئذ تبدأ رحلته المباركة في السير إلى الله للوصول إلى معرفته في الدنيا والقرب منه في الآخرة.
القرآن والسير إلى الله :
كما أن لدى القرآن القدرة على تغيير سلوك صاحبه وذلك بالعمل المستمر على زيادة الإيمان في قلبه وطرد الهوى منه، فإن لديه القدرة كذلك على السير به إلى الله والاقتراب الدائم منه حتى يصل العبد إلى درجة الصديقية، وهي الدرجة التي تلي الأنبياء في القرب من الله عز وجل وذلك من خلال ما يعرف بـ «أعمال القلوب».
أعمال القلوب :
أعمال القلوب هي العبادات التي ينبغي أن يمارسها القلب عند تعرضه لأحوال معينة. فعندما يتوجه البدن بطاعة من الطاعات، كالصلاة أو الانفاق ينبغي أن يصاحب ذلك عبادة قلبية تُسمى الإخلاص لله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
والعبودية التي ينبغي أن يكون فيها القلب عند ورود النعم عليه: الشكر لله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144].
والصبر هو عبودية القلب التي ينبغي أن تلازمه عند ورود المصائب أو الابتلاءات عليه، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: 35].
والخشوع والخضوع والتواضع هي عبوديته عند ذكره لله عز وجل وتذكَّر عظمته وكبريائه مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2].
وعبادة التوكل على الله والاستعانة به ينبغي أن تصاحب القلب قبل القيام بأي عمل: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].
والتقوى هي الحال التي ينبغي أن يكون عليها القلب بعد القيام بأي طاعة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
والرضا هو الحال الذي ينبغي أن يستقبل به القلب أقدار الله عز وجل وبخاصة المؤلمة منها. وعلى قدر القيام بهذه الأعمال تكون عبوديته لربه، ومن ثَم قربه منه.
فإن قال قائل ولكن كيف يمكننا القيام بهذه الأعمال القلبية، وما هو دور القرآن في ذلك ؟
قبل الإجابة بهذه عن هذا السؤال لابد أن يتطرق الحديث حول منشأ هذه العبادات والفرق بين الحال والمقام.
الحال والمقام :
عندما تبلغ مسامع شخص ما أخبار ساره فإنه يعيش في حالة من الفرح والسرور، وعكس ذلك يكون عند تلقِّيه أخبارا محزنة، هذه الحالة تزول بعد فترة من تعرضه للمؤثرات التي أثرت فيه، فإذا ما كان المؤثر شديدا أو استمر في تعرضه له لفترة طويلة، فإن هذه الحالة الشعورية التي انتابته ستلازمه لفترة أطول من الزمن، وهذا ما يُسمَّى بالمقام، أي أنه أقام في هذه الحالة واستمر عليها.
فالحال إذن هو الحالة الشعورية الطارئة التي تنتاب الشخص عند تعرضه لمؤثر ما، ولا يصبح هذا الحال مقاما إلا إذا عاش فيه ولازمه وأقام فيه، فقد تتلقى امرأة خبرا بوفاة زوجها الذي هو في نفس الوقت شقيقا لواحد من الناس وابن عم لواحد آخر.. بلا شك سيعيش الجميع في حالة من الحزن عند وقت تلقيهم النبأ، هذه الحالة ستزول عند ابن العم في وقت أقصر منه عند الأخ، أما الزوجة ففي الغالب أن حالة الحزن ستلازمها وقتا طويلا فتظل في مقام الحزن.
.. هذا من ناحية المشاعر، أما من ناحية السلوك فعلى قدر استثارة المشاعر تكون القوة الدافعة للعمل، فعلى قدر قوة المؤثر يكون العمل المُصاحب، وعلى قدر الاستمرار أو المقام في الحالة الشعورية المستثارة يكون الاستمرار في العمل المصاحب.
فالبكاء مثلا عمل مصاحب لمشاعر الحزن عندما تتمكن من القلب وسرعة استدعائه مرتبطة ببقاء هذه المشاعر في حالة من التوهُّج.
فإذا ما اتضح هذا الأمر فما علينا إلا أن نُسقطه على عبادات القلوب.
• فالشكر عبادة قلبية تنتج من استثارة مشاعر الحب لله عز وجل، هذه الحالة الشعورية قد تكون طارئة فيعيش القلب شاكرا لله عز وجل في لحظات معدودة، وقد تستمر الحالة فترة طويلة فيستمر القلب في مقام الشكر مما يدفعه إلى القيام بأعمال تُعبِّر عن هذه العبادة القلبية كسجود الشكر، وقيام الليل، وكثرة حمد الله عز وجل باللسان وذكر نعمه والتحدث عنها.
• والشعور بالاحتياج إلى الله عز وجل يستدعي عبودية الاستعانة به سبحانه وتعالى، وعلى قدر قوة الحالة الشعورية يكون العمل المُصاحب والذي يمثله الدعاء إلى الله عز وجل بإلحاح وصدق. واستمرار هذه العبودية وهذا العمل مرهون ببقاء تلك الحالة الشعورية.
• وعندما تهيج مشاعر الحياء من الله عز وجل يعيش القلب في عبودية المراقبة والإخلاص والتي قد تصل إلى الإحسان المذكور في حديث جبريل المشهور أي أن تعبد الله كأنك تراه.
• وعندما ينتاب الشخص شعور بالعجز والانكسار لله عز وجل يعيش قلبه في عبودية الاستسلام والخضوع لله عز وجل.
• وعندما تتأجج مشاعر الخوف من الله عز وجل في القلب فإنه يعيش عبودية التقوى له سبحانه.
أما عبودية الإنابة والتوبة فيتجه إليها القلب عندما تستثار مشاعر الرغبة والطمع فيما عند الله عز وجل.
.. هذه الأحوال المختلفة التي قد تطرأ على مشاعر العبد تجعل قلبه يتقلب في ألوان من العبودية لله عز وجل بقدر ما تمكث هذه الأحوال، وما من مؤمن بالله عز وجل إلا وعاش فيها ولو للحظات، ولكنه لا يلبث أن يعود إلى سابق عهده من الغفلة بعد ذهاب المؤثر القوي.
الطريق إلى العبودية :
إذن لكي يصبح القلب في عبودية تامة ودائمة لله عز وجل يجب أن تكون مشاعره متوجهة إلى الله عز وجل وبصورة مستمرة مما يجعل استثارة أي منها تتم بأدنى مؤثر، فيؤدي ذلك إلى توجه القلب إلى العبادة المناسبة للمشاعر المُثارة وبصوة تلقائية، فإن أصابته سرَّاء شكر وإن أصابته ضراء صبر، وإن عزم على أمر توكل على الله، وكلما توجه القلب إلى العبودية المناسبة فإنه بذلك يسير إلى الله ويقترب منه.
ولكن كيف يمكننا أن نصل إلى هذه الحالة القلبية من خلال القرآن ؟
الطريق الذي يسلكه القرآن للوصول بصاحبه إلى هذه الحالة يتلخص في قدرة القرآن على إنشاء الأحوال المختلفة التي يعيشها القلب وذلك بتنوع مؤثراته عليه فتارة يُخوفه بذكر يوم الحساب وما فيه من أهوال، ويذكره النار وما تحتويه من ألوان العذاب، وبعاقبة المكذبين من الأمم السابقة..
وتارة يُرغبه بذكر الجنة وما فيها من ألوان النعيم، وتارة يستثير فيه مشاعر الحب بكثرة ذكر النعم، وتارة يستثير مشاعر الاحتياج إلى الله بعرض جوانب الفقر إليه..
هذه الأحوال التي ينشئها القرآن في القلب تتحول بمرور الأيام إلى مقامات ثابتة يعيشها القلب، وذلك من خلال كثرة استثارته للمشاعر المختلفة ودوام الضغط عليها حتى تتمكن الأحوال الطارئة من القلب فتصبح مقامات ثابتة.
أهمية الانشغال بالقرآن:
ولكي يصل المرء إلى هذه الحالة لابد له من كثرة قراءة القرآن ودوام التفكر في الآيات.. لابد أن تأخذ آيات القرآن وقتها الكافي مع القلب لتستقر الأحوال التي تثمرها فيه، فتنتج هذه الأحوال عبادات قلبية.. هذه العبادات ستدفع صاحبها للقيام بالأعمال الصالحة التي تعبر عنها. وهذا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم – كما سيمر علينا بمشيئة الله في الفصل القادم – كانوا يأخذون عشر آيات فقط من النبي صلى الله عليه وسلم فيعيشون معها بكل جوارحهم فتحدث لهم أبلغ الأثر من تغيير في عقولهم، وتعبيد قلوبهم لله عز وجل، وتدفعهم لسرعة الاستجابة والمبادرة للقيام بأي عمل صالح يُعبر عن عبوديتهم التامة لربهم.. ثم ينتقلون بعد ذلك إلى غيرها.
تأمل معي حالهم وقد امتلأت قلوبهم حبًّا لله عز وجل نتيجة لتفاعلهم مع آيات القرآن التي لا تخلو من بيان سور كرمه سبحانه على عباده وإنعامه عليهم... تأمل معي وقد هاج عليهم هذا الحب والتعات به قلوبهم، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بذلك ويقولون له: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا، فأنزل عز وجل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
من أجل ذلك كانوا يظلون فترة طويلة في حفظ السورة من القرآن، فلقد أتم عمر بن الخطاب حفظ سورة البقرة في اثني عشر عاما، أما ابنه عبد الله فقد أتمها في ثماني سنين.
إن حفظ سورة البقرة لا يستغرق عدة أسابيع أو شهور إن كان الأمر يقتصر على حفظ ألفاظها فقط، أما إذا كان الأمر مرتبطا بتأثير القرآن على العقل ليعيد تشكيله، وعلى القلب ليعبده لله عز وجل، فالأمر بلا شك سيختلف، وسيحتاج إلى سنين كما فعل عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما.

المحور الثالث
القرآن والنفس
بمداومة قراءة القرآن بتدبر وتفهم تبدأ خريطة الإسلام تُرسم في الذهن، ويُعاد تشكيل العقل من جديد، ويُبنى فيه اليقين الصحيح.
ومع التغيير الذي يحدث في العقل فإن القرآن كذلك يؤثر في المشاعر ويوجهها تجاه المولى عز وجل مما يزيد الإيمان، وينصلح القلب فتنصلح الجوارح تبعا له.
.. هذا العمل الصالح الذي تقوم به الجوارح سيواجه عقبة كبيرة تعمل على منع وصول أثره إلى القلب، هذه العقبة هي الشيئ الذي وضعه الله داخلنا ليمتحننا به..
إنها النفس التي جُبلت على حب الراحة والشهوات والتي لا تفكر إلا في لذته الآنية، ولا تنظر إلى عواقب أفعالها ولو كانت بعد لحظات، كالطفل الذي لا يفكر إلا فيما يريد وإن كان سيتسبب في هلكته.
أنواع الشهوات :
والشهوات التي تسعى النفس دائما للحصول عليها إما أن تكون مادية مثل ما هو مذكور في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14].
ومنها ما هو معنوي كحب الرفعة عمن حولها وتميزها على أقرانها، وأن تُحمد على أفعالها وترتفع منزلتها في عيون الآخرين.
فالنفس تُريد في كل لحظة من اللحظات استيفاء شهوة من شهواتها في حين أنها تنفر من كل تكليف يُتعبها أو عمل لا تخرج منه بشيء من حظوظها.
من هنا كان استثقالها للقيام بأي طاعة، فإذا ما دخل الإيمان القلب وارتفع مستواه فيه، وبدأ في صراعه مع هوى النفس واستطاع أن ينتصر عليه.. فإن إرادة القلب ستكون طوع أمره وستأمر الجوارح بنتفيذ ما يُريد من أعمال صالحة.
ولكن هل ستضع النفس سلاحها وتستسلم لقرار القلب وتنتظر معركة أخرى مع الإيمان أم سيكون لها توجه آخر ؟!
عندما تنهزم النفس وهواها أمام داعي الإيمان، وتتأكد أنه لا حيلة لها إلا الاستسلام فإنها لا تترك هذا الأمر هكذا يتم رغما عنها، بل يتحول اهتمامها إلى كيفية الاستفادة من هذا العمل لخدمة حظوظها.
ومن صور ذلك: إلحاحها على صاحبها ودعوته لإظهار عمله أمام الناس ليعظم قدره في أعينهم فيمدحوه، ويوقروه، ويعظموه... وهذا من أحب الأمور لدى النفس، بل يُعدّ من أحلى الأشربة لديها.
فإن لم يكن هناك فرصة لإظهار العمل أمام الناس كان هناك طريق آخر أمام النفس يخدم حظوظها، ألا وهو سعيها بأن تجعل العمل كبيرا في عين صاحبها فتلح عليه كي يحمدها على قيامها به فيؤدي ذلك إلى إعجابه بعمله، بل قد يصل به الأمر أن يظن أن له قدرا عند الله بهذا العمل، وأنه أفضل من غيره، وشيئا فشيئا تعظم في عينه فيغتر بها ويتكبر على الآخرين.
ذلك كله يؤدي إلى إحباط العمل وعدم وصول أثره إلى القلب، بل يزيده بعدا من الله عز وجل ومقتا، لأنه قد وقع في الشرك الخفي والذي يعد من اخطر أنواع الشرك.
فالذي يعمل العمل وهو يريد به وجه الله وفي نفس الوقت يريد أن ترتفع منزلته عند الناس فقد أشرك بالله الناس.
والذي يعمل ويرى أن نفسه هي التي أعانته عليه فقد أشرك بالله نفسه.
الشرك الخفي:
قال بن تيمية: «الرياء شرك بالناس، والعجب شرك بالنفس».
فكلا الأمرين ضد الإخلاص، فيُحرم القلب بذلك ثمرة العمل، بل إن ثمرته تخدم جانب الهوى أكثر، وتُقوِّي داعيه في القلب، وهو ما يسميه العلماء بالشهوة الخفية، والتي قد تكون هي الدافع للعمل الذي يبدو أمام الناس أنه عمل صالح.
فأمر النفس إذن خطير، جد خطير، ولابد أن يشتد حذرنا منها وانتباهنا إليها حتى لا تضيع علينا ثمرة أعمالنا.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 264].
من هنا يتبين لنا أن جهاد النفس على لزوم الصدق والإخلاص هو هو الضلع الثالث لمثلث التغيير، فكل ما سبق ذكره في جانبي العقل والقلب لن يؤتي أكله إلا إذا اكتمل بتزكية النفس وجهادها وترويضها على طاعة الله بصدق وإخلاص.
فإذا كان الأمر بهذه الخطورة، فما هو دور القرآن في تغيير النفس والسيطرة عليها واليأس من أن تكون في يوم من الأيام سببا لدفعنا للعمل الصالح الخالص لوجه الله ؟!
يتجلي دور القرآن العظيم في تغيير النفس من خلال عدة محاور أهمها تعريف الناس بحقيقة أنفسهم ومدى ضعفها، وتعريفهم بالله عز وجل وحقه عليهم، وإرشادهم إلى الوسائل التي تعينهم على جهاد أنفسهم، وإلزامها طاعة الله بصدق وإخلاص.
القرآن يعرفنا بأنفسنا:
من أهم الأمور التي تعين العبد على جهاد نفسه هو معرفته بها معرفة حقيقية، وعدم رضاه عنها، والتأكد أنها لن تأمره بشيء إلا إذا كان لها حظ فيه.
فمن أخطر الأشياء على العبد وثوقه بنفسه، ورضاه عنها، واعتقاده أنه يأتيه خير من قِبلها. ذلك نجد القرآن كثيرا ما يعرفنا بأنفسنا وبخطورتها، وبضرورة الحذر الدائم منها.
يقول تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128].
ويقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (Cool قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7 - 10].
ويذكرنا القرآن بحقيقة نفوسنا فيقول تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53].
ولا يكتفي القرآن بذكيرنا بحقيقة أنفسنا، بل يضرب لنا الأمثال، ويقص علينا القصص التي تُبيِّن خطورتها، وكيف استطاع الشيطان أن يستغل جهلها، وولوعها باستيفاء حظوظها العاجلة، وعدم نظرتها للعواقب.
فنجده يقصُّ علينا قصة ابني آدم، ودور النفس فيها.
يقول تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: 30].
وإخوة يوسف الذين ألقوا بأخيهم في البئر فقال لهم أبوهم يعقوب عليه السلام: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: 18].
وامرأة العزيز التي راودت يوسف عن نفسه، واعترفت بأن نفسها هي السبب في ذلك ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53].
وبنو إسرائيل الذين فعلوا الكثير مما يغضب الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: 80].
والقرآن كذلك يُذكرنا بحقيقة ضعفنا أمام أنفسنا، وأننا لا نستطيع الصمود أمام إلحاحها، كما قال تعالى على لسان نبيه يوسف – عليه السلام -: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33].
معرفة الله حق:
من المحاور الرئيسية في قضية تغيير ما بالنفس معرفة حق الله على عباده، وأن جميع البشر مدينون لله عز وجل، ومهما اجتهد العبد في أداء الطاعات فلن يوفي جزءا يسيرا من هذا الحق.
هذه الحقيقة عندما تستقر في كيان الإنسان فإن من شأنها أن تُنسيه عمله الصالح، بمعنى أنه لن يظن أن له مكانة عند الله بهذا العمل أو أنه يستحق به دخول الجنة ودرجاتها العلى، بل يعمل العمل ويجتهد فيه ثم يسغفر الله بعد القيام به لشعوره بأن حق الله عليه أعظم مما يفعل وأنه إن لم تتداركه رحمة الله وعفوه فسيهلك، كمن أدان شخصا بمبلغ كبير من المال مثلا مليون دينار، ثم قام هذا الشخص بالاجتهاد في العمل وفي نهاية كل شهر قام بسداد درهم واحد.. ما هو شعور هذا الشخص وهو يقدم الدرهم لدائنه ؟!.. هل شعور الفخر والإعجاب بهذا الدرهم، أم أنه سيُنكِّس رأسه وهو يعطيه له، ويشعره بالتقصير الشديد في حقه ويستعطفه ويرجوه أن يسامحه على تقصيره ؟! بل يرى أن قبوله له محض فضل منه وإحسان.
هذا لو كان الدَيْن يساوي ذلك فقط، فما بالك بدين الله علينا الذي تعجز قدرات العقل عن إحصائه ؟!!
فالله عز وجل له حقان على العبد: حق طاعة أوامره، وحق شكر نعمه.
والمتأمل في القرآن يجد مساحة كبيرة ومعتبرة تتحدث عن حق الله على عباده وبخاصة دَيْن النعم، وتذكرهم ببعض تفاصيل هذا الحق وواجبهم نحوه سبحانه وتعالى.
يقول تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
جوانب النعم :
ويعدد لنا القرآن بعضا من جوانب نعم الله علينا لنستشعر حجم الدَّين الذي في رقبتنا، مثل:
- نعمة الإيجاد. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].
- ونعمة الإمداد: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30].
- ونعمة التسخير. مثل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
- ونعمة الحفظ. مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: 42].
- ونعمة الهداية. مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: 12]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: 9].
- ونعمة التوفيق. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88].
- ونعمة الثبات: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].
- ونعمة العصمة من الفجور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21].
- ونعمة العفو: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 14].
- ونعمة الأمن والستر، ونعمة سبق الفضل، والعافية، والإمهال..
والقرآن بعد أن يُعدِّد لنا بعضا من جوانب النعم الإلهية على العباد يُطالبنا بشكر هذه النعم، قال تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144].
وشكر النعم يبدأ بمعرفة حق الله ودَينه المستحق علينا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: 3].
وكلما توسع العبد في ذكر نعم ربه عليه ازدادا يقينا بأنه لن يستطيع أن يؤدي حقها، وأنه سبحانه وتعالى لو حاسبنا على نعمه وطالبنا بحقه لهلكنا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب»( ).
فلا أمل لدينا إلا في رحمة الله ومغفرته وتجاوزه عن حقه، وعدم محاسبتنا على نعمه علينا..
عفو الله أو النار:
من هنا كان القرآن دوما يُذكِّر بهذه الحقيقة، وبأن سعينا مهما بلغ فلن يوجب بمفرده النجاة من النار فضلا عن أن يدخل الجنة، وأن هذه النجاة وهذا الفوز لن يحدث إلا إذا تفضل الله علينا ولم يحاسبنا على نعمه، وتجاوز عن حقه، وعن تقصيرنا في أدائه كما قال تعالى على لسان أحد الناجين من النار: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 57].
وليس معنى هذا ترك العمل والاجتهاد، فصاحب الدَين الذي يرى استهتارا من المدين وعدم مبالاته بالسداد، يجعله يُعرض عنه ويغضب منه ولا يُفكر في إسقاط دينه، بخلاف من يراه مجتهدا في السداد – مع عدم قدرته على الوفاء – فإنه قد يتجاوز عنه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].
فالعمل والاجتهاد في فعل الخيرات ما هو إلا وسيلة لنيل الرحمة والمغفرة والتعرض للعفو والتجاوز.
لذلك نجد القرآن يطالبنا بالاجتهاد في العمل للتعرض للرحمة والمغفرة الإلهية والتي إذا تمت للعبد فسيتبعها بمشيئة الله دخول الجنة، فضلا ورحمة منه سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218].
من فوائد النظر في حق الله :
كثرة التفكر والنظر في حق الله ودينه علينا له كثير من الفوائد التي من شأنها أن تعيننا على تحري الصدق والإخلاص في أعمالنا.
فمن هذه الفوائد:
1- عدم رؤية العمل الصالح أو الاعتماد عليه بل استصغاره، والنظر إليه بعين النقص مهما كان اجتهاد العبد، فالذي يجتهد ويجتهد ثم يُسدد بضعة دراهم من دينه البالغ المليون دينار لن يشعر بأنه قدَّم شيئا يُذكر، فتراه دوما مستصغرا ما يقدمه لدائنه طامعا في عفوه.
2- عدم احتقار الآخرين أو الشعور بالأفضلية عليهم، فالكل مَدِين لله عز وجل ولا يسع الجميع سوى عفوه وإلا فالنار مصير من لم يدركه هذا العفو.
فالذي يقدم خمسة دراهم لصاحب الدَّين الكبير لن يشعر بأنه أفضل ممن قدم درهما أو نصف درهم، فالكل مقصِّر، والكل يستحق العقوبة، ولا أمل إلا في السماحة والعفو.
3- الخوف الدائم من عدم قبول العمل: فمن الطبيعي ألا يقبل صاحب الدين الكبير سداد جزء يسير منه، فإن قبله فهذا محض فضل وإحسان منه.
لذلك كان الصالحون يجتهدون ويجتهدون ثم يخافون ألا يقبل منهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60].
4- الحذر الشديد من السكون إلى النفس أو الإعجاب بها حتى لا يتعرض العبد لمقت الله ومعاملته بالعدل للا بالإحسان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[التكاثر: 8].
5- الاجتهاد في نسيان العمل بعد أدائه وعدم التحدث به أمام الآخرين.
6- سؤال الجنة استجداء لا استحقاقا، فمن تفضل الله عليه، وقبل عمله وتجاوز عن حقه لديه، وعفا عنه، أدخله الجنة ورفعه في درجاتها بهذ العمل القليل الذي أداه.. رحمة منه – سبحانه – وفضلا.
وسائل عملية :
ومع تذكير القرآن الدائم لنا بحق الله علينا فإنه يدلنا كذلك على وسائل عملية تجعلنا دوما مستشعرين لهذا الحق، منها :
1- ذكر النعم وإحصاء جوانبها :
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: 3].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: 11].
وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 69].
فالتذكر الدائم لنعم الله عز وجل والعمل على إحصائها وكتابتها من أهم وسائل معرفة حق الله عز وجل علينا ومن أكبر المعينات كذلك على شكره سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
2- ربط النعم بالمنعم وحمده عليها :
مما يعين على دوام تذكر حق الله علينا، ربط أي نعمة جديدة بالمنعم العظيم وسرعة حمده عليها لينغلق الباب سريعا أمام النفس، فلا تلح على صاحبها كي ينسب النعمة إليها، أو يحمدها عليها..
قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28].
وقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
3- الاستغفار بعد أداء الطاعة:
فالاستغفار بعد القيام بالطاعة دليل على استشعار العبد تقصيره في حق الله، وأن هذه الطاعة لا تليق بجلاله ولا توفي حقه.. فبعد الإفاضة من عرفات علينا بالاستغفار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199].
وبعد قيام الليل كذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17].


يتبع





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 4:10 am

معرفة النفس:
هذا بالنسبة لوسائل معرفة حق الله واستشعاره بصورة دائمة، أما بالنسبة لوسائل معرفة النفس واليأس منها فهي:
1- معرفة جوانب الفقر إلى الله:
فمعرفة جوانب الافتقار إلى الله عز وجل تُنسي العبد نفسه وتُشعره بضآلة حجمها، وتُريه دائما فضل ربه عليه، وأنه به سبحانه لا بنفسه، وأنه – سبحانه – لو تركه لنفسه لهلك وضل، كالمريض صاحب الحالة الحرجة والذي تم إمداده بالمقويات والدم والهواء والسوائل من خلال أنابيب تتصل بجسمه ولو قُطعت عنه لهلك.
فنحن بدون الإمداد الإلهي المستمر لحظة بلحظة نفتقد كل مقومات وأسباب الحياة والعافية والهداية والثبات والعصمة من الفجور و...
فمن عاش في هذه الحقيقة سيقطع بالكلية اعتماده على نفسه أو غيره وسيتجه قلبه لله عز وجل، مادا يده إليه مستجديا فضله آملا ألا ينقطع مدده عنه.
جوانب الفقر إلى الله :
أفاض القرآن في بيان أوجه الفقر إلى الله عز وجل، منها :
• فقر الوجود وتوالي الإمداد: قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 46].
• الفقر إلى الرزق: قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: 21].
• فقر الهداية: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7].
• فقر التوفيق والسداد: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17].
• الفقر إلى العلم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32].
• فقر العصمة من الفجور: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33].
• فقر العصمة من الكفر: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
• فقر العصمة من الظلم: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 94].
• فقر العصمة من الشيطان: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].
• الفقر إلى تزكية النفس: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21].
• فقر الصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127].
• الفقر إلى النصر والتمكين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 126].
• الفقر إلى الإعانة على القيام بالطاعة: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 73].
• الفقر إلى التوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118].
• الفقر إلى إيجاد الماء: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30].
• الفقر إلى وجود الليل والنهار وتعاقبهما: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: 71].
• فقر الأمن من العواصف والبراكين والزلازل والخسف: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 16، 17].
• الفقر إلى نزول السكينة: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10].
• الفقر إلى الله في كشف الضر: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].
• فقر الحفظ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11].
• فقر الولاية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257].
2- من وسائل اليأس من النفس: كثرة الدعاء وسؤال الله كل شيء يحتاجه العبد كدليل على استشعاره لفقره الذاتي والمطلق إليه، وهذا في القرآن أكثر من أن يُحصى، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
3- تتبع عيوب النفس :
وذلك من خلال التفكر في مواضع المنع والحرمان من العصمة الإليهة وتخلية الواحد منا بينه وبين الذنب، ليعرف قدر نفسه عليه لارتكابها، فالعاقل من تتبع هذه المواقف وواجه نفسه بها ليُعرِّفها حقيقتها وقدرها، ويدرك مدى عجزها وجهلها وظلمها وفقرها إلى مولاها، وهذا ما كان يفعله الصالحون، كما جاء في القرآن على لسان آدم وزوجه بعد أن أكلا من الشجرة: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].
وعلى لسان موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: 16].
وكذلك يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
وعندما طلب يوسف عليه السلام سؤال النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند رؤيته ليثبت براءته قبل خروجه من السجن، عند ذلك اعترفت زوجة العزيز أنها من وراء ذلك كله، وأقرت بأن نفسها هي التي أمرتها بذلك فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: 53].
4- التخويف من عاقبة الرياء والعجب :
من وسائل الحذر من النفس :
دوام التذكر بخطورة الرياء والعجب وإحباطهما للعمل ليشتد حذر الإنسان من نفسه، ويخشى على عمله منها.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25].
5- الخوف من الله :
فالخوف هو أفضل لجام تُلجم به النفس.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40، 41].
وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (Cool إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: 8 - 10].
6- التواضع :
التواضع من أفضل الوسائل التي تعين العبد على استصغار نفسه وعدم شعوره بالأفضلية على غيره، مهما كانت درجته أو ثقافته أو سبقه، ومن فوائده كذلك أنه لا يرى نفسه أهلا لتحمل مسئولية، أو إمارة، بل يكون حاله كحال موسى عليه السلام عندما استصغر نفسه على حمل الرسالة بمفرده، وطلب من الله عز وجل أن يشاركه أخوه في حملها مع أنه عليه السلام كان أهلا لذلك، وقد قام بحملها على أحسن وجه، وتحمل من فرعون ثم من بني إسرائيل الكثير والكثير.
قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: 34].
وفي القرآن صور كثيرة للتواضع، وفيه كذلك تحذير من الكبر ومظاهره.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 18، 19].
وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
7- الإسرار بالعمل ليظل باب طلب المنزلة عند الناس مغلقا أمام الناس:
قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271].
8- كثرة الإنفاق في سبيل الله: فالإنفاق في سبيل الله يزكي النفس ويطهرها من شحها المجبولة عليه، فيجعلها سهلة سمحة مما يعين العبد على ترويضها.
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16].
نماذج تربوية :
القرآن لا يكتفي في موضوع النفس ببيان خطورتها وضرورة الحذر منها ووسائل جهادها، بل يعرض لقارئه كذلك نماذج تربية الله عز وجل لرسله وأنبيائه على هذه المعاني العظيمة، وبخاصة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام.
فمن توجيهات القرآن لنبينا عليه الصلاة والسلام :
التذكير الدائم بفضل الله عليه.
قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113].
- ويُذكِّره أنه بالله لا بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 113].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74].
- ويُذكِّره في بدايات الوحي بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6].
- ويذكره كذلك بمدى فقره إلى الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 86، 87].
- ويعلمه كيف يُعبِّر عن حالة الفقر والمسكنة والاستسلام لله عز وجل.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188].
- ويذكره دوما بأنه عبد لله عز وجل لا يملك من الأمر شيئا مثله مثل سائر البشر.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128].
احتياجات التغيير القرآني :
رأينا فيما سبق قدرة القرآن على التغيير من خلال المحاور الثلاثة: العقل والقلب والنفس لينتج ذلك كله شخصية سوية تتمتع بفكر صحيح وعاطفة جياشة، وسلوك سوي مستقيم، أي أنه ينتج عبدا لله عز وجل في كل أموره وأحواله، شعاره قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162، 163].
هذه القدرة الفذة على التغيير التي يحملها القرآن في طياته كيف نستدعيها وننتفع بها، أو بعبارة أخرى.. ما الأمور التي يحتاجها القرآن ممن يتعامل معه ليحدث فيه هذا التغيير ؟
لو فكرنا معا في هذا الأمر، واسترجعنا ما قيل في الصفحات السابقة لخلصنا إلى أن احتياجات التغيير القرآني تتمثل في هذه النقاط :
أولا: تفريغ أكبر وقت للقرآن وعدم الانشغال بغيره – قدر المستطاع – ليتمكن القرآن من إعادة تشكيل العقل وترسيخ المعاني فيه، وبناء القاعدة الإيمانية في القلب، ومعرفة النفس معرفة حقيقة، وتزكيتها وترويضها على القيام بطاعة الله مع تحري الصدق والإخلاص.
وهذا يستدعي أيضا المداومة على قراءته واعتبار أنه بمثابة الوجبة اليومية للعقل والقلب والنفس، فبها يتم دوام التذكير، ووضوح الرؤية، ومن خلالها تتولد الطاقة الدافعة للعمل.
ثانيا: التركيز الشديد عند قراءته والإنصات التام له، وعدم السماح للذهن أن يشرد.
ثالثا: القراءة ببطء وترسل للتمكن من فهم المراد من الآيات.
رابعا: تدبر الآيات وفهم المعنى الإجمالي المقصود منها، وأن يكون الهدف من قراءته البحث عن الهدى فيه لتحقيق المقصد من نزوله.
خامسا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب لاستثارة المشاعر وترسيخ المعنى في اللاشعور وزيادة الإيمان في القلب.
سادسا: حسن الاستفادة من الطاقة المتولدة من القراءة بتوجيهها نحو أعمال البر المختلفة والتي دلت عليها القراءة.
سابعا: حفظ ما تيسر منه أو حفظه كله ليسهل التعبد به وقراءته واستدعاؤه في أي وقت.
إن الذي يقرأ كتابا – أي كتاب – له هدف من قراءته، والذي يستمع إلى شريط أو يقرأ صحيفة له هدف من ذلك، والقرآن ليس بأقل من هذه الأشياء، فلا ينبغي أن نقرأه لمجرد القراءة، أو طلب الثواب فقط دون النظر إلى الهدف الأسمى الذي من أجله أنزله الله عز وجل.






الفصل الرابع


القرآن بين الأولين والآخرين


قد يظن البعض أن ما سبق ذكره عن قدرة القرآن على التغيير فيه مبالغة ن ولا يعدو أن يكون كلاما نظريا.
نعم القرآن لديه القدرة الفذة على التغيير الجذري لأي شخص – كائنا من كان – ومن أي نقطة يبدأ منها، واستبداله بشخص آخر عابدا لله عز وجل في كل أموره وأحواله.
ومن فضل الله على هذه الأمة أن جعل القرآن يحدث هذا التغيير في أناس كانوا قبل إسلامهم غاية في الغرابة والجاهلية، فدخلوا إلى مصنع القرآن ومدرسته فخرجوا منه أناسا آخرين تفخر بهم البشرية حتى الآن.
إنها الدفعة الأولى التي تخرجت في مدرسة القرآن وبأعداد كبيرة.. جيل الصحابة.
الرسول والقرآن :
ومما ساعد القرآن على إحداث هذا التغيير في جيل الصحابة حُسن تعاملهم معه بعد أن فهموا المقصد من نزوله.
ولقد كان أستاذهم وقدوتهم في ذلك محمدا صلى الله عليه وسلم، فلقد عايش رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بكل كيانه وانصبغت حياته به، فكان قرآنا يمشي على الأرض.
فلقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خُلقه القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ( ).
وجاءت سنته شارحة للقرآن وموضحة له، بل إن الإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول بأن كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن( ).
وكانت قراءته صلى الله عليه وسلم للقرآن قراءة متأنية مترسلة.. تقول السيدة حفصة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها( )، وكان صلى الله عليه وسلم يقف عند المعاني متأملا ومعتبرا، فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ.
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح بالقرأة فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع( ).
بل إنه عليه الصلاة والسلام قام ليلة بآية واحدة حتى أصبح يرددها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾( ) [المائدة: 118].
التحذير من عدم الانتفاع بالقرآن:
وكان صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من الاهتمام بشكل الأداء فقط دون المعنى، فعن سهل بن سعد الساعدي قال: بينما نحن نقترئ إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرأوا القرآن، اقرأوا قبل أن يأتي أقوام يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه»( ).
وكان يؤكد لأصحابه على أن المعنى هو المقصود من القراءة، وأن القارئ لابد أن يفقه ما يقول، فعندما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن المدة التي يختم فيها القرآن قال صلى الله عليه وسلم: «اقرأه في كل شهر». قال: قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال :« اقرأه في خمس وعشرين». قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال: «أقرأه في عشرين». قال: قلت: إني أقوي على أكثر من ذلك. قال: «اقرأه في خمس عشرة». قال: قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك. قال: «اقرأه في سبع». قال: قلت: إني أقوي على أكثر من ذلك. قال: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث»( ).
القرآن علم يدعو للعمل :
وكان صلى الله عليه وسلم يدرك قيمة القرآن العظمى وأنه منهاج حياة ومصدر سعادة للفرد في الدنيا والآخرة، لذلك كان حريصا على أن يتعامل الصحابة مع آيات القرآن على أنها رسائل جاءتهم من ربهم، تأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، وهذا لن يتحقق إلا إذا جعلوا القرآن أمامهم واتبعوا تعليماته.
فالقرآن علم يدعو للعمل، فمن سار وراء توجيهاته كان من أهله، وإن لم يكن يقرؤه، وهذا لا يعني ترك قراءته ولكن يعني الحرص على العمل بمقتضى علمه.
ومما لا شك فيه أن الذي يواظب على قراءته ويتلوه بالليل والنهار، ويقرون ذلك بالعمل أفضل بكثير ممن يعمل به ولا يقرؤه.
روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها»( ).
إن قيمة العلم الحقيقية فيما يحدثه من خشوع في القلب يدفع صاحبه للعمل.
عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء»، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس العلم منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟»، قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى مايقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قاله أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؟ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا( ).
« فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العلم عند أهل الكتابين من قبلنا موجود بأيديهم، ولا ينتفعون بشيء منه لما فقدوا المقصود منه، وهو وصوله إلى قلوبهم حتى يجدوا حلاوة الإيمان به، ومنفعته بحصول الخشية والإنابة لقلوبهم، وإنما هوعلى ألسنتهم تقوم به الحجة عليهم»( ).
من هنا يتبين لنا خطورة التحذير النبوي «القرآن حجة لك أو عليك»( ).
وكما يقول ابن عمر رضي الله عنهما أن كل حرف من القرآن ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي، وتتعظ بمواعظي.
عدم الاختلاف في القرآن :
لأن القرآن هو النعمة العظمى التي اختص الله بها الأمة، ولأن عز المسلمين مرتبط بتمسكهم به، واجتماعهم عليه، كان صلى الله عليه وسلم حريصا على عدم الاختلاف في القرآن، فما نعرف منه فلنعمل به، وما جهلنا منه فلنكله إلى عالمه سبحانه وتعالى.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجَرة إذا ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: «مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يُكذِّب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» ( ).
وعن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا القرآن ما أئتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه»( ).
صفاء المنبع:
كان صلى الله عليه وسلم حريصا على وحدة التلقي وصفاء المنبع الذي يستقي منه الصحابة – رضوان الله عليهم – فكان دائم التوجيه لهم بعدم الانشغال بغير القرآن، جاءه عمر بن الخطاب يوما بكتاب أصابه من بعض الكتب، فقال: يا رسول الله: إني أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أمتهوكون فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه و سلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» ( ).
يقول سيد قطب رحمه الله في تعليقه على هذه الحادثة :
« إذن فقد كان هناك قصد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل في فترة التكوين الأولى على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده، ويستقيم عودهم على منهجه وحده، ومن ثم غضب أن رأى عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – يستقي من نبع آخر.
كان صلى الله عليه وسلم يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذي يتضمنه القرآن( ).
الجيل الجديد :
استقبل الصحابة القرآن استقبالا صحيحا، وفهموا المقصد الأساسي من نزوله فانصبغت حياتهم به، وقطف الإسلام أطيب الثمار بظهور هذا الجيل الفريد الذي لم تشهده البشرية – وبهذا الكم – مثله.
إنه لأمر عجيب يشهد بقدرات هذا الكتاب على إحداث ذلك التغيير الجذري في النفوس.. أمة تعيش في الصحراء.. حفاة عراة.. فقراء، بلا مقومات تذكر، لا توضع في حسابات القوى الكبرى آنذاك من فرس وروم، وإن شئت فقل إنها كانت تابعة.. فيأتي القرآن ليغير هذه الأمة ويعيد صياغة شخصيتها، وكيانها من جديد، ويرفع هامات أبنائها إلى السماء، ويربطها بالله ويُشعرها بالعزة والرفعة بإيمانها ودينها الذي ارتضاه الله لها.
يأتي القرآن ليصنع أمة جديدة لم يعهدها العالم من قبل،.. تحطم الامبراطوريات وتقلب الموازين، وتصبح في سنوات معدودات صاحبة القوة الأولى في الأرض بين الأمم.. الكل يخشاها.. الكل يتودد إليها.. لا تُشترى بالمال ولا بالجاه.. أمة عرفت مصدر عزتها فتمسكت به فأحسن قيادتها، وأسعد بها الدنيا ردحا من الزمن..
انظر مثلا إلى واحد من هؤلاء وهو يُجيب على رستم قائد الفرس عندما سأله: ما الذي جاء بكم؟ قال له: الله جاء بنا.. وهو الذي بعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأهله، ومن أبى إلا الحرب قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر.
إنها العزة التي جعلت عمر بن الخطاب يقول لأبي عبيدة بن الجراح حين طلب منه أن يغير ثيابه المرقعة لتسلم بيت المقدس ومقابلة عظماء النصارى: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
وحدة التصور والسلوك :
عندما أتجه الصحابة بكليتهم إلى القرآن أنشأ عندهم وحدة التصور، مما أثمر إلى حد كبير وحدة السلوك، ولم لا والكتاب الذي تلقوا منه أفكارهم وتصوراتهم واحد.
أخرج ابن المبارك في الزهد أن عمر بن الخطاب أخذ أربع مائة دينار فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية ! اذهبي بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر بن الخطاب فأخبره ووجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل ثم تله في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب به إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، تعالي يا جارية! اذهبي إلى فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرفة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر وقال: إنهم أخوة بعضهم من بعض( ).
من وصايا الصحابة :
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يستشعرون جيدا أن استمرار عزة الإسلام ورفعته مرهون باستمساك أبناءه بالقرآن، فهو حبل الله الذي يجمع ولا يفرق، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وكانوا يدركون أن الاستمساك بالقرآن يعني اتخاذه دليلا ومصاحبا وهاديا لكل ما يحبه الله عز وجل، فكانوا شديدي الحرص على استمرار تعامل الأجيال التي تليهم مع القرآن بنفس الطريقة التي تعاملوا هم بها معه، وكانوا كذلك شديدي الخوف من أن يتحول القرآن من كتاب هداية يصنع النفوس الكبار ويحرر القلوب من أسر الدنيا، وينقذ البشرية من الضلال إلى مجرد تراتيل ترددها الألسن ولا تتجاوز الحناجر.
وتجلى هذا جيدا في توجيهاتهم ووصاياهم لمن بعدهم.
فمن هذه الوصايا :
1- التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره :
.. إن التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره من شأنه أن يجعل تصورات الشخص وخواطره ومنطلقات سلوكه تنطلق من معاني القرآن، لذلك كان الصحابة شديدي الحرص على تبليغ هذه الوصية لمن بعدهم، وبخاصة بعد انتشار الفتوحات، ودخول الكثيرين الإسلام ممن لم يعايشوا أجواء القرآن.
تأمل معي هذه الوصية لعبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – والتي يقول فيها: جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة.
قال شعبة – أحد رواة هذا الأثر-: فحدثت به أبا التياح وكان عربيا فقال: نعم، أُمروا أن يجردوا القرآن. قلت له: ما جردوا القرآن؟ قال: لا يخلطون به غيره( ).
وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلقنا إلى ابن مسعود بها، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب ثم قال ابن مسعود للجارية: انظري من بالباب فقالت: علقمة والأسود، فقال: ائذني لهما، قال: فدخلنا، فقال: كأنكما قد أطلتما الجلوس؟ قلنا: أجل. قال ما منعكما أن تستأذنا؟ قالا: خشينا أن تكون نائما. فقال: ما أحب أن تظنا بي هذا، إن هذه الساعة كنا نقيسها بصلاة الليل. فقلنا: هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال: هاتها، يا خادم هاتي الطست فاسكبي فيها الماء. قال: فجعل يمحوها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، فقلنا: انظر فيها، فإن فيها حديثا عجبا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره.
قال أبو عبيد في تعليقه على هذا الخبر: أرى أن هذه الصحيفة أُخذت من بعض أهل الكتاب، فلهذا كرهها عبد الله( ).
جردوا القرآن :
كان عمر بن الخطاب ينهى وهو يرسل الجيوش عن الإكثار من رواية الحديث لعدم شغل الناس عن القرآن.. فعن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق، فمشى عمر رضي الله عنه معنا إلى صرار فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب( ).
وعن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليا رضي الله عنه يخطب ويقول:
« أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم»( ).
ويعلق الشيخ محمد الغزالي رحمه الله على هذين الخبرين فيقول: فعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القرآن حظه الأوفر من الحفاوة والإقبال. وذلك هو الترتيب الطبيعي، فلابد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه، إذ أن هذه الشروح والتفاصيل لا يحتاج إليها كل أحد، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة( ).
لقد أدرك الصحابة القيمة العظمى للقرآن وقدرته على التغيير، وأدركوا كذلك أن انشغال الناس بغيره سيشتت الذهن ويصرف الوقت، مما سيؤدي إلى عدم تمكن القرآن من قيادتهم وتغييرهم.
تأمل معي ما قاله الحارث الأعور.. دخلت المسجد فإذا أُناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أناسا يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون فتن» قلت: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1]، وهو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به هدي إلى صراط مستقيم»( ).
2- ومن هذه الوصايا: تأكيدهم المستمر بأن المعنى هو المقصود من التلاوة والعمل هو ثمرته:
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن( ).
ويؤكد هذا المعنى أبو عبد الرحمن السلمي، وهو أحد تلامذة الصحابة فيقول: أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار إلى حنكه( ).
وفي هذا المعنى يقول عمر بن الخطاب: لا يغرركم من قرأ القرآن، إنما هو كلام نتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به( ).
ويقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]. قال: يتبعونه حق اتباعه. وقال عكرمة: ألا ترى أنك تقول «فلان يتلو فلان»: أي يتبعه ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾( ) [الشمس: 1، 2].
العمل مقدم على الحفظ:
لقد كانت قضية العمل بما يتعلمونه من القرآن لا يختلف عليها اثنان منهم، لهذا – كما يقول ابن تيمية – كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
قال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَلَّ في أعيننا ( ).
ولقد ظل عمر بن الخطاب يتعلم ويحفظ في سورة البقرة اثنتي عشرة سنة، فلما أتمها نحر جزورا، وهذا ابنه عبد الله يتعلمها في ثماني سنين( ).
فالعمل بالقرآن لديهم كان مقدما على حفظه، ولقد مات الكثير من أكابر الصحابة، بل من العشرة المبشرين بالجنة دون أن يتموا حفظ القرآن..
أخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: قُتل عمر ولم يجمع القرآن( ).
وكما يقول الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم إلا النفر القليل، استعظاما له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه ومتشابهه.
وفي هذا يقول عبد الله بن مسعود: «إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به».
وكان ابن عمر يقول: كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به»( ).
وليس معنى هذا هو إهمالهم حفظه، بل معناه انشغالهم بالعمل به عن حفظه، فالعمل بالقرآن مقدم على حفظه، فإن استطاع شخص ما أن يجمع بين الاثنين فهذا هو السابق حقا، فقد استطاع أن يجمع بين النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه..
3- تصحيح مفهوم حامل القرآن:
يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، فقد أُدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه.
ولقد جمع أبو موسى الأشعري الذين قرأوا القرآن وهم قريب من الثلاثمائة فعظَّم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخرا، وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زج به في قفاه فقذفه في النار( ).
وكان أبو عبد الرحمن السلمي إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله، فما أعرف أحدا خير منك إن عملت بالذي علمت( ).
وكان محمد بن كعب القرظي يقول: كنا نعرف قارئ القرآن بصُفرة اللون( ).
فلا يصح جمع القرآن عندهم إلا بالعمل به أولا، وهذا ما أشار إليه الحسن البصري بقوله: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يقرأه( ).
ويؤكد ابن عبد البر على هذا المعنى فيقول: وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه، وحلاله وحرامه، والعاملون به( ).
ولقد أتى رجل أبا الدرداء فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع( ).
4- ومن وصاياهم: الإيمان قبل القرآن:
والمقصد من هذه الوصية غرس قواعد الإيمان في القلب وإقامة صرحه وتمكنه من الإرادة قبل حفظ حروف القرآن.
يقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاير، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا( ).
ويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عمر رضي الله عنه بقوله: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عليه منها، ثم رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده فينثره نثر الدقل( ).
فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي هذا الخبر: كتب إلى عمر بن الخطاب بعض عماله في العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب لهم عمر أن افرض لهم في الديوان، فكثر من يطلب القرآن، فكُتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبعمائة رجل. فقال عمر: «إني لأخشى أن يُسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين، فكتب ألا يُُعطيهم شيئا»( ).
ويُطلق الحسن البصري ربيب الصحابة وأحد كبار التابعين تحذيره من حفظ حروف القرآن فقط فيقول: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من أوله. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه. أما – والله – ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا.. قد والله أسقطه كله، ما رُئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس. ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الورعة.. متى كان القرآء يقولون مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء( ).
فالحسن البصري يحذر من عدم أخذ أمر القرآن من أوله، وأوله كما مر علينا هو تعلم ما فيه من إيمان وعمل، ليأتي بعد ذلك الحفظ على قاعدة سليمة فيزداد به القلب إيمانا.
5- ومن وصاياهم: ضرورة تدبر القرآن وفهمه وتحريك القلب به:
عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول( ).
وهكذا كان يفعل ابن عباس رضي الله عنهما... يقول ابن أبي مليكة: سافرت مع ابن عباس – رضي الله عنهما – من مكة إلى المدينة فكان يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفا حرفا ثم يبكي حتى نسمع له نشيجا( ).
وعن ابن أبي ذئب – رحمه الله – عن صالح قال: كنت جارا لابن عباس رضي الله عنهما وكان يتهجد من الليل فيقرأ الآية ثم يسكت قدر ما حدثتك، وذاك طويل، ثم يقرأ. قلت: لأي شيء فعل ذلك؟ قال: من أجل التأويل يُفكر فيه( ).
فبمثل ما كان يقرأ ابن عباس كانوا يوصون...
ومع شدة انشغالهم بالقرآن واعتنائهم به إلا نهم كانوا يتفاوتون في مدة ختمه.
أخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك( ).
ولقد سأل رجل زيد بن ثابت: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ فقال زيد: حسن، ولئن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إليّ، وسلني لم ذاك؟ فقال: إني أسألك؟ قال زيد: لكي اتدبره وأقف عليه( ).
فالعبرة عندهم ليست بكم القراءة بقدر ما كانت بالمعاني المستخرجة منها والتي تحرك القلوب وتدفع للعمل.
لذلك كان من وصايا ابن مسعود: لا تهذوا القرآن هذّ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم من السورة آخرها( ).
القراءة المتأنية أدعى لحسن الفهم:
سئل الإمام مجاهد – تلميذ ابن عباس – عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قيامهما واحد، وركوعهما واحد، وسجودهما واحد، وسجودهما واحد، وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾( ) [الإسراء: 106].
ولقد قيل للسيدة عائشة رضي الله عنها: إن أناسا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثا، فقالت: قرءوا ولم يقرءوا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله وتعالى ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ( ).
وفي صحيح مسلم عن أبي وائل أن رجلا يقال له نهيك بن سنان جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن: كيف تقرأ هذا الحرف، ألفا تجده أم ياء «من ماء غير آسن» أو «من ماء غير ياسين» قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذَّا كهذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه، فنفع..
ويُعلق النووي على قول ابن مسعود: معناه إن قوما ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب( ).
فلا بديل عن التدبر..
فإن قلت فما هو الحد الأدنى للسرعة في القراءة؟!
يوضح ذلك الحسن بن علي بقوله: اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرأه( ).
وعندما قال أبو جمرة لابن عباس: إني سريع القراءة، إني لأقرأ القرآن في ليلة.. قال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلي.. إن كنت فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويوعها قلبك( ).
ومن هديهم في تلاوتهم للقرآن: ترديد الآية التي تؤثر فيهم.
عن عباد بن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 27]، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال عليّ ذلك فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو( ).
وظل عبد الله بن مسعود يردد قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾( ) [طه: 114]، حتى أصبح.
وظل عمر بن الخطاب يردد الفاتحة في ليلة لا يزيد عليها حتى أصبح( ).
وقرأ عامر بن قيس ليلة سورة المؤمن فلما انتهى إلى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: 18]، فلم يزل يرددها حتى أصبح( ).
6- ومن وصاياهم: عدم التعمق في إقامة حروف القرآن:
أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن الحارث بن قيس قال:
كنت رجلا في لساني لُكنة، وكنت أتعلم القرآن فقيل لي: ألا تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن! فذكرت ذلك لعبد الله بن مسعود وقلت: إنهم يضحكون مني، ويقولون: تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن، فقال: لا تفعل، فإنك في زمان تحفظ فيه حدود القرآن، وإن بعدك زمانا تحفظ فيه الحروف وتُضيع فيه الحدود( ).
وكأن ابن مسعود يريد أن يلفت الانتباه إلى أن الجهد الأكبر ينبغي أن ينصب في اتجاه المعنى وما يحدثه في القلب وليس في اتجاه إقامة الحروف، وليس معنى هذا إهمال هذا الأمر، ولكن وضعه في حجم معقول يتناسب مع أهميته، فشكل العبادة – أي عبادة – مهم وضروري للدخول على الله بها، ولا قيمة لعبادة تؤدى بشكل مبتدع، ولكن مع الاهتمام بالشكل ينبغي أن يكون الاهتمام الأكبر والأشمل لجوهر العبادة وروحها وما تحدثه في القلب.
وفي هذا المعنى يقول حذيفة: أقرأ الناس للقرآن منافق يقرأه، ولا يترك منه واوا ولا ألفا يلفته بلسانه، كما تلفت البقرة الخلا بلسانها لا يجاوز ترقوته( ).
وتامل ما قاله فضالة بن عبيد الأنصاري لأبي سكينة: خذ هذا المصحف وامسك عليّ ولا تردَّن عليّ ألفا ولا واوا فإنه سيكون قوم يقرأون القرآن لا يسقطون منه ألفا ولا واوا ثم رفع فضالة يده، فقال: اللهم لا تجعلني منهم( ).
وهذا عبد الله بن مسعود يصف زمانه ويقارنه بأزمان أخرى فيقول: إنك في زمان قليل قراؤه كثير فقهاؤه.. تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه.. قليل من يسأل.. كثير من يعطي.. يطيلون فيه الصلاة ويقصرون فيه الخطبة.. يبدون فيه أعمالهم قبل أهوائهم.. وسيأتي على الناس زمان كثير قراؤه، قليل فقهاؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون الخطبة، ويقصرون الصلاة، ويبدون أهواءهم قبل أعمالهم( ).
ولقد قرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز سورة، وعنده رهط.. قال بعض القوم: لحن. فقال عمر: أما كان فيما سمعت ما يشغلك عن اللحن( ).
7- ومن وصاياهم: اترك نفسك للقرأن وتمسك به:
عن أبي قلابة أن رجلا من أهل الكوفة لقي أبا الدرداء فقال: إن إخوانا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم. فقال: أقرئهم السلام ومُرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحمل على القصد والسهولة ويُجنِّبهم الجور والحزونة( ).
والخزائم جمع خزامة وهي حلقة من الشعر توضع في وترة أنف البعير يشد بها الزمام..
والمراد: أي اجعلوا القرآن مثل الخزام في أنف أحدكم فاتبعوه واعملوا به.
وهذه الوصية من أهم الوصايا التي قيلت في القرآن، فمن ترك نفسه للقرآن ليقوده ويوجهه فسيحظى بالطريق السهل الآمن الذي لا تشدد فيه ولا تعسف.. طريق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: علمني كلمات جوامع نوافع، فقال: نعم، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن أينما زال، ومن جاءك بصدق من صغير أو كبير وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه، ومن جاءك بكذب وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه( ).
وقال حذيفة بن اليمان لعامر بن مطر: كيف أنت إذا أخذ الناس طريقا واحدا وأخذ القرآن طريقا، مع أيهما تكون؟ قال: أكون مع القرآن وأموت معه وأحيا معه، قال: فأنت إذا أنت، فأنت إذا أنت( ).
فالمطلوب مع القرآن أن يكون أمامنا، نسير وراءه كقائد وسائق يسوقنا إلى الله عزوجل وجنته. قال عبد الله بن مسعود: القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار( ).
ولقد أوضح الشعبي معنى ترك القرآن خلف الظهر، فقال في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، فهذا يُبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره( ).



يتبع





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 4:12 am

حالنا مع القرآن
أتعلم أخي القارئ أن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي كان مع الصحابة رضوان الله عليهم وصنع منهم هذا الجيل الفريد؟
أتعلم أن الأدوات التي كانت معنا هي التي كانت معهم، من عينين ولسان وشفتين وعقل وقلب وجوارح.
فما الذي حدث؟
لماذا لم يعد القرآن يُنتج مثل هذه النماذج؟ مع أنه قد تيسر وجوده بين المسلمين أكثر من أي وقت مضى؟!
فما من بيت من بيوت المسلمين إلا وفيه مصحف أو أكثر، وما عليك إلا أن تدير مؤشر المذياع لتستمع إلى آيات القرآن تتلى في إذاعة من الإذاعات. لقد أصبح القرآن في عصرنا ميسرا للقراءة أكثر من أي وقت مضى، وانتشرت الكتاتيب، وازداد حُفاظه من الرجال والنساء في كل مكان، فلماذا لا يُحيينا كما أحيا جيل الصحابة، ولماذا لا يرفعنا كما رفعهم؟
هل فقد مفعوله؟ أم ماذا حدث؟
يُجيب عن هذه التساؤلات الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – فيقول:
إن المسلمين بعد القرون الأولى، انصرف اهتمامهم بكتابهم إلى ناحية التلاوة، وضبط مخارج الحروف، وإتقان الغُنن والمدود وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على تواتره كما جاءنا أداء وأحكاما – أقصد أحكام التلاوة – لكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم صنعوا شيئا ربما لم تصنعه الأمم الأخرى، فإن كلمة (قرأت) عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها تعني: أن رسالة جاءته أو كتابا وقع بين يديه فنظر فيه، وفهم المقصود منه..
أما الأمة الإسلامية، فلا أدري بأي طريقة فصلت بين التلاوة وبين التدبر، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يُفيد أو هو المقصود.
وعندما أحاول أن أتبين الموقف من هذا التصرف أجد أنه موقف مرفوض من الناحية الشرعية، وذلك أن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، يعني الوعي والإدراك والتذكر والتدبر.. فأين التدبر؟ وأين التذكر؟ مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى، أو إدراك للمقصد، أو غوص فيما وراء المعنى القريب لاستنتاج ما هو مطلوب لأمتنا من مقومات نفسية واجتماعية تستعيد بها الدور المفقود في الشهادة على الإنسانية وقيادتها إلى الخير( ).
تاريخ هجر القرآن:
والمقصود بهجر القرآن أي هجر الانتفاع به، وعدم الدخول إلى مصنعه وماكيناته التي من شأنها أن تغير الشخص – أي شخص – لتصنع منه مؤمنا عابدا لله – عز وجل – في كل أموره وأحواله.
وتاريخ هجر القرآن يبدأ من قرون ماضية، حيث اهتم المسلمون ببعض جوانب العلم، وتوسعوا فيها كعلم الكلام والفقه، فوضعوا لها قواعد ثم شروحا ثم حواشي ثم مختصرات، وكان هذا كله على حساب القرآن الذي بات لا يُستدعى إلا في المآتم وعند المرض وفي رمضان.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:
هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث..
ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة..
ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلدين..
وكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالا على الإسلام وأهله، روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم: «يأتي على الناس زمان يُعلق فيه المُصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا يُنتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث»( ).
إذن فما يحدث للقرآن الآن من تعامل شاذ وغريب ما هو إلا نتاج ميراث ورثناه من القرون الماضية، تحول فيها المسلمون عن القرآن بالتدريج حتى صار إلى ما هو عليه الآن، وحين يستاءل بعضنا عن عدم قدرتنا على الانتفاع بالقرآن كما انتفع به الصحابة، لابد أن تبدأ الإجابة بتشخيص حالنا مع القرآن.
التشخيص:
الهدف الأسمى من نزول القرآن: هداية الناس إلى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44].
فهل تعاملنا مع القرآن من هذا المنطق؟ وهل بدأنا معه من هذه النقطة، وأتينا أمره من أوله؟ أم ماذا فعلنا؟ المتأمل لحالنا يجد أننا قد ابتعدنا في تعاملنا مع القرآن عن الهدف الذي نزل من أجله، وتركناه كمصدر للهداية والتوجيه، ثم بحثنا عن ذلك في مصادر أخرى فتشتتنا وتفرقنا.
لم نعط القرآن حقه في وقتنا، وعندما نقرأه فبحناجرنا فقط، لم نعطه الفرصة ليُشكل تصوراتنا ويُصيغ شخصياتنا ويكون المصدر الأول لثقافتنا.
يعيب بعضنا على من لم يحسن أحكام التلاوة بل قد تهتز صورته في عينيه، ولا نوجه أي نصيحة لمن لا يفقه المعاني.
قصرنا فهمنا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»( ) على تعلم قراءته فقط، مع أن المقصد من الحديث كما يقول ابن تيمية: تعلم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان( ).
أصبح جُل اهتمامنا حين نقرأ القرآن الوصول إلى نهاية السورة دون الاهتمام بتفهم ما نقول، بل قد ينتقل الواحد منا من سورة إلى أخرى دون أن يشعر، وإن سُئلنا عن الآيات التي استوقفتنا فلن نجد جوابا.
وعندما يأتي رمضان – والذي شرفه الله بنزول القرآن فيه – يبدأ السباق فيما بيننا حول عدد ختمات القرآن التي سنختمها فيه.
- ظن بعضنا أن مفهوم الانشغال بالقرآن هو الانشغال بحفظ ومراجعة حروفه فقط دون التفقه فيه وفهم مراد الله منه، فانكب على حفظه آلاف وآلاف..
- تغير مفهوم حامل القرآن لدينا، فتجد الواحد منا كما هو قبل أن يحفظ السورة من القرآن وبعد حفظها، لم يتغير أي شيء من أخلاقه أوتعاملاته.
- ندير مؤشر المذياع على صوت القارئ ثم نتركه ليملأ جنبات المكان وننشغل عنه بأمورنا الخاصة وكأننا لسنا المخاطبين بهذا القرآن.
لقد نبذنا كتابنا وراء ظهورنا وجعلناه أماني، كما نقل ابن تيمية رحمه الله عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78]، أي: غير عارفين بمعاني الكتاب، يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم، لا يدرون ما فيها.
فماذا جنينا من وراء هذا التعامل؟
واقع الأمة الإسلامية:
القاصي والداني يدرك ما وصل إليه حال الأمة الإسلامية من ضياع وتفكك، وذل نتجرع مرارته ليل نهار.
أصبحنا تحت أقدام الكفار يفعلون بنا ما يشاءون.. صرنا في ذيل الأمم.. أذل أهل الأرض.. لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا.
تخلينا عن مصدر عزتنا فاطمأن أعداؤنا لذلك، وبلغ استهزاؤهم بنا إلى درجة أن بعض إذاعاتهم تبدأ برامجها بالقرآن لعلمهم بأننا قد نبذناه وراء ظهورنا.
وعندما ظهر شعاع الضوء وبصيص الأمل في تلك الظلمة الحالكة والذي تمثل في ظهور الصحوة الإسلامية، لم تعط هذه الأجيال الشابة الواعدة القرآن حقه في الفهم والعمل، ولم نتعامل معه كمصدر للهداية والتوجيه، بل تركته وبحثت عن غيره، فاختلفت المنابع، وتنوعت المشارب، فحدث ما حدث من خلاف في التصور حول القضايا المختلفة والأمور الجوهرية، ولم نعد على قلب رجل واحد.. فأبى الله أن يوفي بوعده ويطبق سننه معنا حين أسأنا، كما أوفى بوعده مع الجيل الأول حين احسنوا التعامل معه..
فبعد أن كانوا أذلاء فقراء، جهالا، في مؤخرة الشعوب قبل الإسلام، إذا بهم – بعد أن أحسنوا استقبال القرآن – في المقدمة، سادة الأرض ومحط الأنظار: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 111].
أما نحن فعندما تخلينا عن المصباح، وأهرقنا الدواء، والتمسنا الهدى في غير القرآن، تركنا الله عز وجل وجعلنا أذلة بعد أن كنا أعزة، وسلط علينا من كَتَب عليهم الذلة والمسكنة.. إخوان القردة والخنازير، وجعل منهم سياطا يؤدبنا بها لعلنا نعود إليه وإلى كتابه.
قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 48].
فهل نحن راجعون؟!!






الفصل الخامس

حاجتنا إلى القرآن

الناظر المتفحص لأحوال الأمة الإسلامية يجد أنها تمر بأخطر مرحلة في تاريخها فبعد أن كان أعداؤها يُخْفون عداوتهم ومخططاتهم ضدها أصبحوا اليوم يجاهرون بذلك بعد أن استطاعوا هزيمة المسلمين في الميادين المختلفة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، تقودهم في ذلك الصهيونية العالمية التي تسعى سعيا حثيثا نحو إقامة مشروعها ( إسرائيل الكبرى ) والسيطرة على العالم كله بعد ذلك.
أما أبناء أمة الإسلام الذين انخدعوا في السابق بشعارات الغرب البراقة، وكانوا يعترضون على من يطلق عليه «نظرية المؤامرة» أو مصطلح «أعداء الإسلام»، أصبح هؤلاء يعيشون اليوم مع غيرهم من المسلمين في واقعية المؤامرة، وما أفغانستان وفلسطين والعراق منا ببعيد.. فجراحات المسلمين في كل مكان، ولا ندري أنبكي على هؤلاء أم على هؤلاء أم نبكي على أنفسنا، وعلى المجد الذي أضعناه أو الذل الذي نتجرعه بالليل والنهار.
لقد انطبق حالنا مع ما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كم اتتداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: وقلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»( ).
التشخيص:
والأمر اللافت للانتباه أنه كلما نزلت بالمسلمين نازلة، وأصابهم جرح جديد تعالت الأصوات من هنا وهناك بأن هذا عقاب من الله عز وجل قد حاق بنا، وهذه هي الحقيقة بالفعل، فما حدث للأمة ما هو إلا تطبيق لسنن الله الحاكمة للأرض.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53].
ولما بدأنا بالتغيير كان هذا الواقع الذي نشكو منه، فالله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44].
لقد تمثل فينا قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»( ).
.. نعم، هذا هو التشخيص الصحيح للوضع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم، فمن ارتكب الذنب لا ينبغي عليه أن يستغرب العقوبة.
قال تعالى: « ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» [الروم: 41].
فلنبدأ بأنفسنا :
فإن كان الأمر كذلك، فإن هذا العذاب الذي نتجرعه بالليل والنهار لن يتوقف إلا إذا رجعنا إلى الله عز وجل، وغيرنا ما بأنفسنا تغييرا حقيقيا يشمل التصورات والسلوك، والسر والعلن فنكون من بعده عبيدا لله عز وجل في كل أمورنا وأحوالنا، ويتمثل فينا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
إن وعد الله لا يتخلف، ولقد وعد عباده بنصرتهم وتمكينهم في الأرض إن هم نصروه على أنفسهم أولا.
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
إذن فلا بديل أمامنا إلا البدء في عملية التغيير الداخلي لذواتنا إن أردنا الفلاح لأنفسنا والعز لأمتنا.
فإن قلت: إننا جميعا متفقون على هذا التشخيص، ولكن ما منهج هذا التغيير المنشود الذي يتفق عليه الجميع، وما الكيفية التي من خلالها يقوم هذا المنهج بعمله في ذات الإنسان فيحدث فيه تغييرا جذريا، ويعيد صياغته من جديد؟
.. هذه التساؤلات تتردد هنا وهناك، والكل يظن أن الأمر صعب يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد لوضع المنهج المناسب لعملية التغيير.. إن الأمر أبسط من ذلك بكثير، فالله عز وجل وهو الرؤوف الرحيم لم يتركنا لنتخبط أو لنختلف فيما بيننا حول منهج التغيير، بل أرشدنا – سبحانه وتعالى إلى هذا المنهج، وبين لنا فيه طريقته في التغيير.
أعطانا المصباح الذي بنوره ينكشف لنا الطريق، وتتبدد الظلمات.. وصف لنا الدواء الذي يعالج كل ما نعاني منه من أدواء.. فماذا فعلنا بهذا المصباح وبذلك الدواء ؟!
لقد طرحنا المصباح جانبا، وأهرقنا الدواء، ثم اخذنا نبكي ونقول: أين الطريق؟
لقد انطبق حالنا مع قول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول

كتابنا، مصدر عزنا، النور المبين، والهدى والشفاء: أدرنا له ظهورنا وتعاملنا معه بطريقة غريبة وشاذة، وأصبحنا لا نستدعيه إلا في المآتم وأوقات المرض، وشهر رمضان، وغيره من المناسبات، واكتفينا بالتعامل مع ألفاظه فقط، والنظر إلى الثواب المترتب على قراءته، وإذا أردنا الدليل على ذلك، فليسأل كل منا نفسه: ما الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه حين يقرأ القرآن؟ أليس هو إنهاء الورد وتحقيق أكبر قدر من الحسنات ؟
ألهذا الهدف فقط نزل القرآن ؟
إن خير دليل على عدم صحة تعاملنا مع القرآن هو واقعنا نحن، فبالرغم من وجود عشرات بل مئات الآلاف من حفاظ القرآن على مستوى الأمة، وبالرغم من انتشار المصاحف في كل مكان بصورة لم تكن موجودة في العصور الأولى إلا أن الأمة لم تجن ثمارا حقيقية لهذا الاهتمام الشكلي بالقرآن.
القرآن هو الحل :
لقد اهتدى الجيل الأول بنور القرآن فانصلح حاله، وساد الأرض في سنوات معدودة، وبغير هذا النور لن ينصلح حالنا، فكما قال الإمام مالك: لا يصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.. وما صلح أولها إلا بالقرآن.
والأمر اللافت للانتباه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك، وأنها ستكون فتن وأن المخرج منها الاستمساك بالقرآن واتباعه، وأخبر كذلك أن القرآن والسلطان سيفترقان، وأن علينا أن نكون مع القرآن.
قال صلى الله عليه وسلم: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر فيوشك أن يأتى رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى»( ).
وعندما سأله حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أبعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال: «يا حذيفة، عليك بكتاب الله فتعمله واتبع ما فيه» حتى قال ذلك ثلاث مرات، قلت: نعم( ).
إن التمسك بالقرآن يعني أول ما يعني اتباعه واتخاذه دليلا وقائدا يقودنا إلى الله، قال الشعبي في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، فهذا يُبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره( ).
فالمطلوب منا إذن تجاه القرآن يختلف عما نفعله.. المطلوب منا أن نكون معه كما كان الجيل الأول معه، ليفعل بنا كما فعل بهم، فالماكينات القرآنية – إن جاز هذا التعبير – جاهزة للعمل ولا ينقصنا سوى دخولنا إليها.
وخلاصة القول أن تغيير هذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة، والذي أصبحت من خلاله تحت الأقدام لن يتم إلا إذا حدث تغيير حقيقي في الأفراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
هذا التغيير لن يتم بصورة جذرية إلا من خلال العودة الحقيقية إلى القرآن كمصدر للهداية والتوجيه، وكمصنع للتغيير الحقيقي في كيان الإنسان، ليجعل منه مؤمنا صادقا قولا وسلوكا، سرا وعلانية.
لماذا القرآن؟
قد يتساءل البعض: وماذا يمكن للقرآن أن يفعله ؟!
إن القرآن سيفعل الكثير والكثير بعون الله عز وجل، وسيظهر انتاجه في وقت قصير شريطة حسن التعامل معه.
• فالقرآن - كما مر علينا – سيعيد تشكيل العقل، وبناء اليقين الصحيح فيه، ليثمر ذلك انسجام القول مع الفعل.
• والقرآن قادر – بإذن الله – على طرد الهوى وحب الدنيا من القلب، وطريقته الفريدة في ذلك: زيادته المستمرة للإيمان، وتوليده طاقة كبيرة في نفس قارئه تدفعه للقيام بالطاعات ومقاومة الشهوات والسمو فوقها.
• وبالقرآن تتحقق الذاتية والإيجابية لدى الأفراد، فالقوة الدافعة، والطاقة المتولدة من القرآن وبصورة يومية تمثل أكبر دافع للمسارعة إلى الخيرات، وتنفيذ النصائح والتوجيهات التي تلقى على المسامع لتصبح واقعا ملموسا، دون الحاجة إلى شدة المتابعة، وهذا ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام، فكان يكفيه التوجيه ليسارع الجميع بالتنفيذ، فعندما بلغ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قول النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»( )، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا.
• وعندما قال صلى الله عليه وسلم لعلي وفاطمة رضي الله عنهما: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين»( )، قال علي: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين( ).
• وبالقرآن نتحرى الصدق والإخلاص في أقوالنا وأفعالنا، فنزهد في الرئاسة، وحب الظهور، وبه نكف عن تزكية أنفسنا والمباهاة بإنجازاتها، فتصبح سريرتنا أفضل من علانيتنا( ).
• وسيعيد لنا القرآن الشعور بالعزة المفقودة في زمن الهزيمة النفسية.. منطلق هذه العزة: الشعور بقيمة الانتساب إلى الله عز وجل وحسن الصلة به، ومبعثها كذلك الثقة به سبحانه وتعالى.
• والقرآن يستثير كوامن العقل، ويحرره من أسر التقليد الأعمى، ويضبط هذا التحرر بضوابط الشرع. وهو أيضا يرفع قدره، ويعرفه قيمته في الكون، فينطلق إليه ليكتشف أسراره، وينتفع بقوانين تسخيره، ليبدأ علو المسلمين من جديد في شتى المجالات ويكون لهم قصب السبق كما كانوا من قبل.
القرآن وجمع كلمة الأمة :
القرآن هو الكتاب الوحيد القادر على جمع كلمة الأمة مصداقًًََََََا لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 103].
فحبل الله هو القرآن كما قال ابن مسعود وغيره.
ومن وسائل القرآن في تجميع كلمة الأمة، بناؤه لوحدة التصور لدى أفرادها، فهو قادر – بإذن الله – على رسم خريطة الإسلام الصحيحة في ذهن كل مسلم بنسبها الصحيحية دون تفريط أو إفراط، لتنطلق الأعمال بعد ذلك منسجمة مع هذا التصور، فتتوحد الجهود، ويقل الخلاف - إن لم يتلاش – في الأمور الجوهرية، ويضيق في الأمور الفرعية ليصبح خلافًا محمودًا مرغوبًا يهدف إلى رفع الحرج عن الناس.
يقول سيد قطب رحمه الله: إننا نعتقد – بالدراسة الطويلة – أن هذا القرآن فيه غناء في بيان الحقائق التي يقوم عليه التصور الإسلامي، فلا يحتاج إلى إضافة من خارجه في هذا البيان..
ويستطرد قائلًا: ونحن نحب أن يتعود قارئ هذا البحث أن يلجأ إلى القرآن وحده، ليجد فيه تبيانًا لكل شيء( ).
من هنا يتبين لنا أن الأمة الإسلامية بشبابها وشيوخها.. برجالها ونسائها لو اتجهت إلى القرآن دراسة وفهمًا، وأصغت سمعها إليه، وتعاملت معه على أنه كتاب هداية، فإن هذا من شأنه أن ينشئ قاسمًا مشتركًا بين أفرادها للتصور الصحيح لمفردات الحياة..
عندئذ لن نختلف فيما بيننا حول النظرة إلى الدنيا أو المال أو الأولاد.. ولن نجادل كثيرًا حول مفهوم الجهاد والدعوة إلى الله.. سنجتمع على الكليات، ونعرف كيف نرتب الأولويات.
سمات المنهج القرآني:
مع هذه القدرة الفذة للقرآن في التغيير، فإن طريقته ومنهجه سهل وميسر للجميع كما قال تعالى :﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
لا يحتاج إلى طقوس خاصة أو أماكن خاصة للتعامل معه، فيكفي أن تتوضأ وتمد يدك إليه لتقرأه في أي وقت وأي مكان طاهر.
منهج ينسجم مع الطبيعة البشرية، وما فيها من ضعف واحتياجات، فتراه لا يُصادم الفطرة ولا يدعو من يتمسك به إلى ترك الدنيا، بل يدفعه إلى حُسن التعامل معها، فأهل القرآن هم أسعد الناس في الدنيا والآخرة.
ومن سمات التغيير القرآني كذلك أنه تغيير متكامل لا يهتم بجانب على حساب آخر، فكما يهتم بحسن علاقة المرء بربه، يهتم كذلك بحسن علاقته مع من حوله.
دفع شبهة:
ليس معنى القول بأن القرآن هو الحل أن يتحرك كل واحد بمفرده مع القرآن، فواقع الأمة يستدعي التحرك الجماعي لمواجهة مشروع الإبادة ومحو الشخصية الذي يعمل أعداؤنا على تنفيذه.
إن أعداءنا قد اجتمعوا علينا، وتوحدت كلمتهم في القضاء على مقومات حضارتنا فليس أقل من أن نكون مثلهم في توحدنا واجتماع كلمتنا.
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73].
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن حجم الانحراف الذي حدث للأمة أكبر بكثير مما يتصوره البعض.. كل هذا يستدعي تضافر الجهود، والتحرك الجماعي لا التحرك الفردي الذي يُبعثر الجهود ويشتتها.
ومن ناحية ثالثة فإن الواحد بمفرده لن يسعه أن يتحرك بالقرآن منفردًا منعزلًا، لأن آيات القرآن نفسها ستلاحقه بوجوب التحرك الجماعي وبناء المجتمع الإيماني والانصهار في بوتقته.
هذا التحرك الجماعي يحتاج إلى جيل يقود الأمة لمواجهة ما يُراد لها، ويسعى للتمكين لدين الله في الأرض وإعادة المجد الإسلامي من جديد.
فإن قال قائل: فأين موقع القرآن من هذا الجيل ؟
نُجيبه بأن هذا القرآن هو منهج هذاالجيل في التغيير: تغيير ما بالنفوس، وإقامة الإسلام داخلها، وقيادة الناس بالقرآن.
يقول الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم.
لابد أن يتشبع هذا الجيل بالقرآن، فيملك عليه فكره وخواطره، ويستضيء قلبه بنوره، فيجد فيه الناس النموذج والقدوة، فيثقون به ويسيرون خلفه.
ولكن هل معنى هذا ترك القراءة والاطلاع في مؤلفات العلماء والباحثين؟
ليس معنى الاهتمام بالقرآن واتخاذه منهجا للتغيير أن نترك كتابات العلماء وما فيها من خير عظيم، ولكن المقصد ألا تكون قبل القرآن، بل خادمة له، تدور في فلكه.. توسع المدارك، وتفتح الآفاق لفهمه أكثر واكثر.
ويأتي على رأس تلك العلوم: السنة النبوية المطهرة والتي تلي القرآن مباشرة في الأهمية، فهي شارحة له، مبينة لكثير مما أُجمل فيه.
وكذلك فإن فروع العلوم الإسلامية الأخرى على درجة كبيرة من الأهمية، وسيكون لها أثر فعال في تكوين الفرد إذا ما تم ربطها بالقرآن، ومع ذلك فإن من الأفضل تخصيص أكبر وقت للقرآن وبخاصة في البداية، ليأخذ فرصته في إعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح فيه، وتحرير القلب من الهوى، وتمكين الإيمان منه، وترويض النفس على لزوم الصدق والإخلاص.
حاجة الفرد إلى القرآن :
إن كان القرآن هو الحل، ونقطة البداية التي ينبغي أن نبدأ بها على مستوى الأمة للخروج من هذا النفق المظلم الذي تسير فيه، فإن المسلم كذلك بحاجة ماسة إلى القرآن على مستواه الفردي وفي كل زمان ومكان.. في ليله ونهاره، وحله وترحاله، وحتى بعد أن يعود للمسلمين عزهم ومجدهم بإذن الله، وذلك لدواع كثيرة منها:
أولا: تحقيق الربانية:
فمن معاني الربانية: القرب إلى الله، وحسن الصلة به، وطريق التحقق بها يستلزم معرفة الله عز وجل، فعلى قدر هذه المعرفة تكون عبودية القلب له سبحانه من حب وخشية ورجاء وتوكل وإنابة وإخلاص.
والطريق السهل الآمن لتلك المعرفة هو القرآن، فمن أهم سماته أنه كتاب تعريف بالله عز وجل، ولا يكتفي بذلك بل إنه يُنشئ في القلب العبودية المصاحبة لهذه المعرفة، فالقرآن هو أفضل وسيلة لتحقيق الربانية، فهو حبل الله المتين الممدود بين السماء والأرض، من تعلق به ارتفع قلبه إلى السماء وصار من عباد الله المقربين.
ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79].
وفي هذا المعنى يقول خباب بن الأرت لجار له: يا هناه، تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيئ هو أحب إليه من كلامه( ).
وفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعا: «ما تقرب العباد إلى الله عز وجل بمثل ما خرج منه»( ).
ثانيا: تحقيق السعادة:
السعادة هي سكون النفس، وطمأنينتها، وهدوء الخواطر لديها، فلا تفكير في ماض يبعث على الحزن، ولا تطلع لمستقبل يزيد الهم، والسعادة بهذا المعنى لا يمكن أن تأتي للإنسان من خارجه، بل إن مبعثها من داخل ذاته كنتيجة من نتائج هدايته للسلام مع نفسه، ومع كل الدوائر التي يتحرك فيها.
من هنا يأتي دور القرآن..
يقول تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 123، 124].
قال ابن عباس: فضمن الله لمن اتبع القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب مسلما قط هم أو حزن فقال: اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب غمي إلا أذهب الله تعالى همه وأبدله مكان حزنه فرحا»( ).
يقول ابن القيم في تعليقه على هذا الحديث: ولمَّا كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته، سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى ألا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك( ).
فكلما ازداد اقتراب المرء من القرآن، ازداد شعوره بالأمان والسكينة.
قال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله في الأرض فمن دخل فيه فهو آمن( ).
ثالثا: ومن دواعي حاجة المسلم إلى القرآن: زيادة الإيمان:
يمثل الإيمان جهاز المناعة لقلب الإنسان، ففي حالة زيادته يستطيع القلب أن يقاوم ضغوط النفس فيما تطلبه من شهوات، وفي حالة نقصانه يضعف القلب ويستسلم لها في كثير من الأحيان.
والشهوات تُحيط بالإنسان ليلا ونهارا، وبخاصة في عصر كالذي نحيا فيه، والمسلم بحاجة دائمة لزيادة إيمانه، وأفضل طريق لذلك هو القرآن بتذكرته المستمرة، وبمواعظه البليغة التي تضرب بقوة على المشاعر فتؤججها وتوجهها وتسمو بها فوق الشهوات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
فالقرآن إذن منبع عظيم من منابع الإيمان يفيض على كل من يرده.
قال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 193]. قال: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم( ).
والقرآن مُقوٍّ للإرادة والعزيمة يمنح صاحبه طاقة هائلة، وما عليه فقط إلا أن يُحولها إلى حركة إيجابية فيما يُحبه الله عز وجل.
يقول ابن القيم: فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، وتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر الناس عليها فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن الذي تعود عليه( ).
رابعا: من دواعي العودة الحقيقية للقرآن: التذكر الدائم لحقائق الإيمان وجوانب الهداية:
مع استمرارية التعامل الصحيح مع القرآن يظل المسلم في حالة دائمة من اليقظة والتذكر لحقائق الإيمان وجوانب الهداية..
ففي كل مرة نقرأ فيها القرآن سنجد آيات تُعرفنا بالله عز وجل وبحقوقه علينا، وحقوق بعضناعلى بعض، وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبالرسالة، وتعرفنا بأنفسنا وجوانب ضعفها وكيف نزكيها، وسنجد كذلك آيات تُذكِّرنا بعداوة الشيطان وكيده المستمر لنا، وفي كل جلسة مع القرآن سنجد قصة وجودنا على الأرض تطل علينا وتُذكرنا بالدنيا وقيمتها، وبحقيقة وجودنا فيها ومدى علاقتنا بمفرداتها من زوجة وأولاد ومال و....
وقلما سنخرج بعد لقائنا بالقرآن دون تذكر بيوم الحساب وأحداثه، وبالجنة ونعيمها، والنار وألوان عذابها.
أما السنن والقوانين الإلهية التي يحكم الله بها الحياة فما أكثرها في القرآن، وكذلك الحديث عن المكذبين وما يُثيرونه من شبهات وتشخيص دوافعهم للتكذيب، والمآل الذي ينتظرهم إن استمروا على ذلك.
وفي مساحة ضخمة من القرآن سنجد قصص السابقين من مؤمنين وكافرين، يقصها الله علينا ويكررها في مواضع كثيرة لنأخذ منها العبرة ونربط بينها وبين واقعنا، فتزداد يقينا بأن الباطل إلى زوال والعاقبة للمتقين.
خامسا: تحصيل العلم النافع:
يقول تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89].
فمن أراد العلم - كما يقول ابن مسعود - فليتفكر في القرآن( ).
ومن أجلِّ العلوم التي يختص بها القرآن: معرفة الله عز وجل.
يقول ابن رجب: فالعلم النافع ما عرَّف العبد بربه ودلَّه عليه، حتى عرفه ووحده وأنِس به، واستحيا من قربه وعَبَده كأنه يراه.
وكان السلف يقولون: إن العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمره، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله.
فأصل العلم العلم بالله الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه، والأنس به والشوق إليه.
وكان الإمام أحمد رحمه الله يقول عن معروف الكرخي: معه أصل العلم، خشية الله.
ثم يتلوه العلم بأحكام الله، وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد، فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علما نافعا، وحصل له العلم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع، ومن فاته العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم وصار علمه وبالا، وحجة عليه، فلم ينتفع به( ).
ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها»( ).
فمن أراد العلم النافع فليبدأ بالقرآن ليعرف ربه من خلاله فيتحقق قلبه بالخشوع والانكسار له سبحانه، فإن انتقل بعد ذلك إلى تعلم أوامر الله وأحكامه صار من العلماء الربانيين.
قال كعب: علكيم بالقرآن فإنه فهم العقل ونور والحكمة وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهدا( ).
ويقول مجاهد: استفرغ علمي القرآن( ).
فمن ينشغل بالقرآن، ويوقف حياته له، لن يندم على ذلك لحظة من اللحظات.
يقول القرطبي: فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري( ).
وهذا الإمام ابن تيمية يُحال بينه وبين كتب العلم في محبسه بالقلعة فيتفرغ للقرآن، ليقول عن هذه التجربة: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان الكثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن( ).
سادسا: العصمة من الفتن :
في هذا الجو المظلم الذي نعيش فيه، ومع ازدياد الفتن يحتاج المرء على ما يستمسك به، ويأخذ بيده إلى بر الأمان، وهنا يأتي دور القرآن، فعندما سأل حذيفة بن اليمان رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال له صلى الله عليه وسلم: «يا حذيفة عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه» حتى قال ذلك ثلاث مرات( ).
ولقد رأي حذيفة في يوم من الأيام كثرة من الناس فقال لأحد التابعين وهو عامر بن مطر: يا عامر ابن مطر، كيف أنت إذا أخذ الناس طريقًا واحدا، وأخذ القرآن طريقا، مع أيهما تكون؟ قلت: أكون مع القرآن وأموت معه وأحيا معه. قال: فأنت إذا أنت، أنت إذا أنت( ).
فعلى قدر تمسكنا بالقرآن واتصالنا الدائم به تكون نجاتنا بإذن الله عز وجل.
قال صلى الله عليه وسلم: «أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا»( ).
إن الفتن التي تمر بنا في هذا العصر كقطع الليل المظلم، تجعل الحليم حيرانا وليس أمامنا من عاصم إلا الله وحبله المتين فلنسارع بالتعلق به.
قال ابن مسعود: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هذا الطريق، هذا الطريق، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن( ).
ومن شأن القرآن كذلك أن يُبعد عن أهله أي بوادر لليأس والإحباط مهما اشتد الظلام وادلهمت الخطوب، فهو يثبت القلوب على الحق ويربط عليها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 102].
سابعا: ومن دواعي العودة للقرآن: حسن التعامل مع متغيرات الحياة:
ما من يوم تُشرق شمسه إلا وللحياة فيه جديد، وليس من عادتها أن تظل صافية لإنسان ما أبد الدهر، ومع كثرة متغيراتها تزداد الحاجة إلى وجود دليل ناصح، أمين، يُعرفنا كيف نواجه تلك المستجدات.. وهنا يأتي دور القرآن، فما من مشكلة يتعرض لها الفرد إلا وفي القرآن حلها، كما قال ابن عباس: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن..
فعند المصائب والشدائد تجده يربت على كتف صاحبه، ويدعوه إلى الصبر والاحتساب، ويحكي له نماذج لأناس أصابتهم مصائب أشد من مصيبته، فصبروا على ما أصابهم حتى جاءهم الفرج من حيث لم يحتسبوا.
والقرآن يوجه صاحبه نحو المعالي فيهون عليه، ويصغير في عينيه ما يتهافت عليه الناس، فيجعله دائما في حالة من الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والشكر على العطاء.
ثامنًا: من دواعي العودة كذلك: الوصول إلى صداقة القرآن وشفاعته:
كلما اقترب المسلم من القرآن وتوثقت علاقته به، فسيجد أنه أصبحت له علاقة خاصة بسور القرآن، فهو ينتظر الوصول لسورة الأنعام لتزيده حُبًّا لله، ويتلهف لقراءة الأنفال ليزداد شعوره بالعزة، ويشتاق لسورة يوسف لتكون له نعم السلوى.
يقول الأستاذ سيد قطب: هكذا عُدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحُسها، وهكذا عدت أتعامل معها بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته وملامحه وسماته.. وأنا أجد في سور القرآن تبعا لهذا وفرة بسبب تنوع النماذج، وأنسا بسبب التعامل الشخصي الوثيق، ومتاعا بسبب اختلاف الملامح والطباع والاتجاهات والمطالع..
إنها أصدقاء.. كلها صديق.. وكلها أليف.. وكلها حبيب.. وكلها ممتع.. وكلها يجد القلب عنده ألوانا من الاهتمامات طريفة، وألوانا من المتاع جديدة، وألوانا من الإيقاعات، وألوانا من المؤثرات تجعل له مذاقا خاصا وجوا منفردا..
ومصاحبة السورة من أولها إلى آخرها رحلة... رحلة في عوالم ومشاهد، ورؤى وحقائق وتقريرات وموحيات، وغوص في أعماق النفوس واستجلاء لمشاهد الوجود.. لكنها كذلك رحلة متميزة المعالم في كل سورة ومع كل سورة( ).
وصداقة القرآن للعبد بعد طول الصحبة لا تقتصر على حياته الدنيوية فقط، بل تتعداها إلى حياة البرزخ فيكون القرآن أنيسا له في قبره أيضا.
روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة ( الملك ) حتى ختمها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي المانعة، هي المنجية من عذاب القبر»( ).
أما يوم القيامة، فللقرآن دور آخر، إذ أنه يأتي شفيعا لصاحبه عند ربه، ويرتقي به في درجات الجنة.
فعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه»( ).








الفصل السادس

عقبات في طريق العودة

إن طريق العودة الصحيحة إلى القرآن كهاد إلى الله وإلى صراطه المستقيم.. سهل ميسر – بإذن الله – إذا ما استطعنا أن نجتاز العقبات التي وضعت أمامنا خلال القرون الأخيرة، وأن نغير بعض الموروثات التي ورثناها.
وفي هذا الفصل سيكون الحديث – بعون الله – عن أهم العقبات التي تقف في طريق العودة وكيفية التعامل معها.
وهي على سبيل الإجمال :
1- الاهتمام الشكلي فقط.
2- الخوف من تدبر القرآن.
3- مفهوم التدبر وطبيعته.
4- ضرورة ختم القرآن في مدة محددة.
5- أمراض القلوب.
6- مفهوم الانشغال بالقرآن.

العقبة الأولى
الاهتمام الشكلي فقط
والمقصد من ذلك هو قصر التعامل مع القرآن على ألفاظه وحروفه فقط.
ومن مظاهر تلك العقبة :
- الاهتمام الشديد بإتقان أحكام التلاوة والتعمق فيها، دون أن يصاحب ذلك اهتمام مماثل بالمعنى.
- ومنها: التركيز عند قراءة القرآن على الانتهاء من أكبر قدر من الآيات، وبخاصة في شهر رمضان، حيث التسابق على عدد الختمات، دون اهتمام بالمعنى.
- ومنها: الحرص على حفظ ألفاظ القرآن، وبذل الوقت والجهد في ذلك، دون معرفة معاني الآيات، وما فيها من إيمان، وما تدل عليه من عمل.
- وغير ذلك من المظاهر التي تدور حول قصر الانتفاع بالقرآن على الناحية الشكلية فقط.
ومما يعين على تجاوز هذه العقبة: معرفة الهدف والمقصد الذي من أجله نزل القرآن، ثم ليسأل كل منا نفسه بعد ذلك: هل يمكننا تحقيق هذا المقصد بمجرد تلاوة ألفاظه بحناجرنا فقط ؟! فكما قال الحسن البصري رحمه الله: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من أوله. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه. أما – والله – ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله قد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا... قد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل... ( ).
إذن فاجتياز هذه العقبة يستدعي منا أن نأتي أمر القرآن من أوله، بمعنى أن يكون همنا في التعامل معه كيفية الانتفاع به كهاد إلى الصراط، ومصنع للتغيير، وأما إتقان تلاوته والمداومة عليها وحفظه فما هي إلا وسائل معينة على تحقيق هذا المقصد.
قال الفضيل بن عياض: إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا، قيل: كيف العمل به؟ قال: أي: يحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهواعن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه( ).
بركة القرآن :
إن بركة القرآن تكمن فيما يحمله من معان عظيمة تنير الطريق وتشفي الصدور وتُسعد العامل بها في الدنيا والآخرة... فالمعنى إذن هو المقصود من تلاوته، وما الترتيل والتدبر إلا وسائل لتحقيق ذلك.
يقول ابن تيمية رحمه الله: ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك( ).
ويقول أيضا: ولا يخفى على أولي الألباب أن المقصود بنزوله اتباعه، والعمل بما فيه، إذ العاملون به هم الذين جُعلوا أهله، وأن المطلوب من تلاوته تدبره، وفهم معانيه، ولذلك أمر الله بترتيله والترسل فيه، ليتجلى أنوار البيان من مشارق تبصرته، ويتحلى بآثار الإيمان من حقائق تذكرته( ).
ويؤكد على هذا المعنى الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله فيقول: ليست العبرة في التلاوة بمقدار ما يقرأ المرء، وإنما العبرة بمقدار ما يستفيد، فالقرآن لم ينزل بركة على النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظه مجردة عن المعاني، بل إن بركة القرآن في العمل به، واتخاذه منهجًا في الحياة يضيء سبيل السالكين. فيجب علينا حين نقرأ القرآن أن يكون قصدنا من التلاوة أن نحقق المعنى المراد منها، وذلك بتدبر آياته وفهمها والعمل بها( ).
ختمتان للقرآن!!
بناء على ما سبق، يتضح لنا أنه ليس هناك أي مبرر لمن يطالب بأن تكون هناك ختمتان للقرآن... ختمة قراءة لإنهاء الورد دون النظر للمعنى، وختمة للتدبر والتي يمكن أن تستغرق عدة سنوات.
ولعل ما قيل في الصفحات السابقة، مع التركيز على معرفة الهدف الأسمي من نزول القرآن ومدى حاجتنا إليه على مستوي الأمة والفرد... لعل هذا كله يرد على من يطرح هذا التصور.
فأي هدف سيسعى القارئ إلى تحقيقه وهو يقرأ بدون تدبر؟ وما النفع الذي سيعود عليه من ذلك؟ وهل ستحقق له قراءة الحناجر التغير المنشود الذي ينتظره من القرآن ؟
لو كانت القراءة لمجرد الثواب المترتب عليها فقط، لكان من الأولى أن نقوم بأعمال أكثر ثوابًا من قراءة القرآن مثل ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي و يميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة»( ).
ولسنا نعني بذلك التقليل من شأن الثواب المترتب على قراءة القرآن، بل نعني إعادة النظر في في طريقة تعاملنا معه، فقيمة القرآن وبركته الحقيقية تكمن في معانيه، ولأن اللفظ وسيلة لإدراك المعنى كان التوجيه النبوي بالإكثار من تلاوته، وتحفيز الناس على ذلك من خلال الثواب الكبير المترتب على قراءته.
ومثال ذلك: الأب الذي يرصد مكافأة لابنه إن استمر في المذاكرة عدة ساعات، هو بالتأكيد لا يقصد مجرد جلوسه على المكتب والنظر في الكتب دون فهم ما تحتويه، بل هدفه من وراء ذلك تشجيع ابنه على المذاكرة بذهن حاضر ليتحقق له النجاح.
فإذا ما نظرنا إلى الهدف الأسمى من نزول القرآن، وربطنا بينه وبين ما رتب الشارع الحكيم على قراءته من ثواب عظيم، لوجدنا أن من أهداف هذا الثواب تشجيع المسلمين على دوام الاقتراب منه حتى يهتدوا بهداه، ويستشفوا بشفائه... أما أن نقترب منه وليس لنا هدف إلا الثواب، دون الالتفات إلى المعنى المقصود من الخطاب، فمما لا شك فيه أننا بذلك التعامل الشكلي سنخسر كثيرًا، ولن يحقق القرآن فينا مقصوده.
ولعل السبب من وراء مطالبة البعض بختمة للتدبر وختمة لإنهاء الورد هو استشعارهم صعوبة التدبر، وعدم القدرة على تجاوز عدة آيات في لقائهم مع القرآن... فهذه عقبة أخري سيتم تناولها بمشيئة الله في الصفحات القادمة.
دفع شبهة :
فإن قال قائل: ولكننا قرأنا أن فلانًا من السلف كان يختم القرآن في الليلة الواحدة مرة ومرتين، وفلان كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، فلماذا لا نفعل مثلهم ؟!
هذه الأخبار – لو صحت – فلا يمكن أن نستدل بها على جواز اتخاذ هذه الطريقة كوسيلة نحقق بها مقصود القرآن، قال تعالى: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) [محمد: 24].
فنصوص القرآن واضحة في أهمية تدبره عند قراءته أو الاستماع إليه ليكون التدبر وسيلة للفهم والتأثر ثم العمل، يقول تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ص: 29].
ولأن فهم مقصود الخطاب لابد أن يلازم قراءة القرآن، كان توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص بألَّا يختم القرآن في أقل من ثلاث معللًا ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث»( ).
والأمر الآخر أننا في هذه الصفحات نتحدث عن كيفية الانتفاع بالقرآن كهاد إلى الله وإلى صراطه المستقيم وكمصنع للتغيير، ومما لاشك فيه أن تحقيق هذه الأهداف يستلزم القراءة الهادئة المتأنية المسترسلة.
الوسائل والغايات :
ومما يلحق بهذه العقبة قول البعض: بأن الله عز وجل تعبدنا بالوسائل، ولم يطلب منا النظر للأهداف والمقاصد، فمن يقرأ بألفاظه فقط، دون النظر لمقصد نزوله فسيصل إليه دون تكلف، وكذلك فإنه بمجرد الصوم والامتناع عن الطعام والشراب سيتحقق مقصود الصوم، وكذلك الصلاة وسائر العبادات.
فإن كان الأمر كذلك، وإن مجرد قراءة القرآن بألفاظه فقط دون تدبر سيحقق لصاحبه الهدف الذي نزل لأجله القرآن، فلماذا إذن فُضلت سور عن سور مثل سورة الإخلاص والتي تُعد قراءتها بثلث القرآن...
هل لألفاظها فقط كان التفضيل، أم بما تحمله من معانٍِ عظيمة ؟!! وهل من قرأها بلسانه فقط سيحقق المقصد من تفضيلها ؟!
ولو كان الأمر كذلك لاستوى المصلون في درجاتهم عند الله طالما حققوا شروط وواجبات الصلاة بأجسامهم دون قلوبهم.
ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «أن الرجل لينصرف وما كُتب له عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها»( ).
وكذلك الدعاء.. فما قيمة رفع اليدين بالدعاء والقلب غافل لاه؟!
يقول صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه»( ).
ويذكرنا القرآن بأهمية تحصيل التقوى في الحج كمقصد أساسي له.
يقول تعالى ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
وغير ذلك من الأدلة التي تحثنا على تحري الخشوع والتقوى وحضور القلب مع العبادات وإلا ضاع جهد صاحبها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب قائم حظه من قيامه السهر ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» ( ).
ومع هذا كله فخير دليل على عدم صحة هذا القول هو الواقع، فنحن نقرأ القرآن منذ سنوات وسنوات وختمناه مرات ومرات، وكان كل همنا الانتهاء من الورد أو الس





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي   الثلاثاء يونيو 05, 2012 4:15 am

العقبة الثالثة
مفهوم التدبر وطبيعته
البعض يتصور أن معنى التدبر: إعمال العقل في كل كلمة من كلماته والتدقيق الشديد فيها، والغوص في معانيها.. هذا التصور يجعل من التدبر عملية شاقة لا يستطيع أحد أن يستمر عليها، وفي الوقت ذاته فإنها لا تحقق مقصوده. فتدبر القرآن وسيلة لدوام التذكر بما هو مطلوب منا، ومن خلاله تتضح الرؤية لطريق الهدى، وبه يتعظ القلب فيزداد إيمانا وتقوى.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: 113].
فليس المقصد من تدبر القرآن إظهار نوع الإعجاز البياني واللغوي، وإمتاع العقل بما فيه من أدب وتاريخ وقصص – وإن كان كل هذا من محتوياته – بل المقصد الأساسي هو المعنى الذي يخرج به قارئه مما يجعله في حالة من دوام التذكر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
ويضع الشيخ عبد الرحمن السعدي القاعدة لقارئ القرآن فيقول: «وأن يجعل المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة له»( ).
ولو تفهمنا هذه القاعدة لأصبح التدبر سهلا ميسرا لمن جعله وسيلة للبحث عن الهدى والشفاء.. فلن يقف القارئ عند كل كلمة يقرؤها بل سيتفكر في المعنى الإجمالي للآية وارتباطها بجوانب الهداية، وأما ما أشكل عليه فهمه فليتركه لعالمه سبحانه وتعالى، وغالبا ما سيجد ما يوضحه في موضع آخر بالقرآن، وحسبنا في ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه»( ).
قال عبد الله بن مسعود: إن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه عليكم – أو قال: شبه عليكم – فكلوه إلى عالمه( ).
يقول الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]، قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه( ).
طبيعة التدبر:
حينما كنا نسمع أو نقرأ عن أهمية تدبر القرآن والعمل بما فيه، كانت الرغبة تجتاح النفس، والشوق يملؤها لذلك، ولكن ما إن نبدأ في التطبيق إلا ونقف عاجزين أمام الآيات فلا نكاد نستخرج منها شيئا، تماما كمن يقال له: انظر إلى الشمس وقت الغروب وتفكر فيها.. هو يتمنى أن يخرج بشيء من خلال رؤيته لهذا المنظر الجميل ولكنه يقف جامدا أمامه لأنه لم يتعلم كيف يتفكر، وعم يبحث.
ونفس الأمر إذا ما طلب من شخص ما إبداء رأيه في سيرة أو بناية أو ميزانية شركة وهو بعيد عن هذه المجالات فرأيه إن أبداه لن يفيد أحدا طالما أنه لا يعرف أين سيحرك عينيه، وعم سيبحث، وهذا هو ما يحدث معنا، فعندما يطلب منا التدبر واستخراج خواطر من الآيات، تجد الواحد منا يتأمل فيها ويشعر أنها تحتوي على معان عظيمة لكنه لا يخرج منها بشيء يُذكر لأنه لم يتعلم كيف يتدبر.
.. نعم قد يتأثر الوجدان بالقراءة والسماع في بعض الأوقات، ولكن هذا التأثر غالبا ما يكون مع آيات الوعيد التي من شأنها مخاطبة الوجدان واستثارة المشاعر، وهذا وحده لا يكفي.
فلنبحث عن الهدى:
القرآن مليء بأنواع كثيرة من العلوم وأوجه الإعجاز، فمن قرأه وهو يبحث عن البلاغة وجدها، ومن قرأه وهو يبحث عن القصة عثر عليها، ومن قرأه وهو يبحث عن الإعجاز العلمي ظفر به، ومن قرأه وهو يبحث عن الهداية وجدها، ومن قرأ القرآن وهو لا يبحث فيه عن شيء لن تراه غالبا وقد استوقفه شيء منه، ألم يقل سبحانه وتعالى عن قصة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7].
فالسائلون المهتمون بالموضوع هم الذين سينتفعون بما في القصة من آيات وعبر.
من هنا نقول إن من تبين له بوضوح الهدف الأساسي من نزول القرآن، ستسهل عليه قراءة القرآن وتدبره، وسيخرج منها بالكثير من جوانب الهداية، أما من لم يتضح له هذا الهدف ولم يستشعر عظيم حاجته إليه فسيصعب عليه التدبر، ولن يستطيع المدوامة عليه لعدم وجود قضية تشغله يعلم أن في القرآن حلها، وحسبنا في ذلك قول ابن تيمية: من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له الحق( ).

العقبة الرابعة
ضرورة ختم القرآن في مدة محددة
البعض منا يظن أن الواجب عليه ختم القرآن في شهر مثلا، وأنه لو تأخر عن ذلك فقد يقع في الإثم والحرج.
.. نعم ينبغي علينا أن ننشغل بالقرآن، وألا يمر علينا يوم دون القراءة في المصحف، ولكن ليس معنى هذا أن من الواجب ختم القرآن في مدة محددة، فالصحابة مع شدة اعتنائهم بالقرآن وانشغالهم به إلا أنهم كانوا يتفاوتون في مدة ختمه.
أخرج ابن أبي دواد عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرءون القرآن في سبع وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك( ).
وليس معنى هذا أننا سنمكث فترات طويلة لنختم القرآن، بل العكس هو المطلوب فعلى قدر انشغالنا بالقرآن والإكثار من تلاوته وتدبره سيكون النفع المتحقق بمشيئة الله، وعلى قدر ما نعطي للقرآن من أوقاتنا وعقولنا وقلوبنا يعطينا من خيره ونوره.
وعندما نعطي للقرآن المساحة الزمنية الكبيرة من يومنا سنتمكن – بعون الله – أن نختمه في أقل من شهر، ولكن دون أن يكون هناك سيف مسلط على رقابنا يدعونا للمسارعة في القرآن كي لا نتجاوز المدة التي حددناها في أذهاننا.
هب أنك في يوم من الأيام استوقفتك آية وأنت تقرأ القرآن، فهزّت مشاعرك، وذقت معها حلاوة الإيمان كلما رددتها، هل تترك هذه اللحظة السعيدة – لحظات الإيمان – خوفا من عدم إنهاء وردك المحدد؟
فإن قال قائل: ولكن وجود حد أقصى لمدة الختم في ذهني يشحذ همتي لمداومة القراءة.. إن كان الأمر كذلك فلا بأس منه شريطة ألا يخل بمقصود القراءة، وألا يكون كذلك على حساب ترديد الآيات والتجاوب معها، والأفضل أن نجعل هذا الأمر من باب الاستئناس وليس من باب الإلزام.

العقبة الخامسة
أمراض القلوب
يظن البعض أن علاج القلب من أمراضه لابد أن يسبق العودة إلى القرآن، فالقلب المريض لا يمكنه الانتفاع الحقيقي بالقرآن – كما يقولون – ويرفع هؤلاء شعار «التخلية قبل التحلية» فإن كان الأمر كذلك فما هو إذن دور القرآن ؟
ألم يصفه الله عز وجل بأنه شفاء لما في الصدور؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
فالقرآن نعم الدواء لأمراض القلوب، فقوة نوره تخترق الظلمات فتبددها، وتحرق ما يقابلها من شهوات وشبهات، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18].
نعم في البداية سيجد نور القرآن بعض الصعوبة في الدخول إلى القلب بسبب حجب الظلمات التي تراكمت عليه من آثار المعاصي والغفلات، ولكن هذه الحجب لن تستطيع أن تقاوم طويلا دخول أشعة نور القرآن إلى القلب إذا ما داوم الشخص على تلاوته بتدبر، وكلما دخل النور إلى جزء من أجزاء القلب انطرد منه الهوى وعادت إليه الحياة مرة أخرى، إلى أن يأتي الوقت الذي يعود فيها القلب إلى كامل صحته، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: 17].
وفي المقابل فإن من يتبنى طريقة التخلية قبل التحلية فسيظل يراوح في مكانه، ولن يصل إلى مبتغاه، من تطهير قلبه أولا من أمراضه، لأنه كلما فتش في نفسه سيجد آفات وعيوبا، وكلما تخلص من واحد منها ظهر آخر، ولن يستطيع أن يدعي في يوم من الآيام أنه تخلص منها جميعا.

العقبة السادسة
مفهوم الانشغال بالقرآن
إن الانشغال الحقيقي بالقرآن يعني أول ما يعني الانشغال بمعانيه، ومواعظه، وجوانب هدايته، وامتلاء القلب بها وتمكنها من العقل الباطن واللاشعور، فينعكس ذلك على خواطر العبد واهتمامته.
- والانشغال بالقرآن يعني كذلك الانشغال بحمل معانيه إلى الناس، ودعوتهم إلى الجلوس المباشر معه، وإزالة الحاجز النفسي بينهم وبينه.
- ومن أهم صور الانشغال بالقرآن: تعريف الناس بربهم عن طريقه، وذلك من خلال ربط آيات القرآن بآيات الكون، والاستدلال منها على الخالق العظيم، ذي الجلال والإكرام.
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
- ومن صور الانشغال بالقرآن كذلك: السعي الدءوب على تحويله إلى واقع ملموس في حياة الناس ليصبح دستور الأمة، فتسود أخلاقه جوانب المجتمع، وهذا لن يتم إلا بوجود جيل قرآني يدعو إلى الله بأفعاله قبل أقواله.
- ومع هذا كله يأتي الانشغال بالقرآن كذلك.. الانشغال بدوام تلاوته بالليل والنهار، وحفظ آياته، ولكن بمثل الطريقة التي كان يحفظ بها الصحابة، فيتعلم الإيمان وجوانب الهداية من الآيات قبل حفظها.
إن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته هم أولئك الذين فهموا مراد الله من إنزاله القرآن، فانكبوا عليه وعملوا به، ودعو الخلق إليه، ولعل هذا هو ما كان يقصده الحسن البصري بقوله: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرؤه( ).
ومن لوازم تصحيح هذا المفهوم عدم حصر معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» على تعلم وتعليم أحكام التجويد فقط، فكما قال ابن تيمية: دخل في قوله: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» تعليم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه وذلك الذي يزيد الإيمان، كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهما: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا، وأنتم تعلمتم القرآن ثم تتعلمون الإيمان.. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.







الفصل السابع

كيف نعود إلى القرآن؟

قبل الحديث عن وسائل الانتفاع بالقرآن، وحسن العودة إليه، هناك بعض العوامل التي من شأنها أن تهيئ المرء لحسن الدخول إلى عالم القرآن..
هذه العوامل هي:
- الدعاء والتضرع إلى الله.
- وضع القرآن على أعلى سلم الأولويات.
- سلامة النطق والترتيل.
الدعاء والتضرع إلى الله:
لعل ما قيل في الصفحات السابقة يرسم إلى حد كبير الصورة المُثلى في التعامل مع القرآن، ويزيل بعضا من الموروثات القديمة عنه، ومع هذا فإن العامل الرئيسي لدخول الواحد منا إلى عالم القرآن، وتذوقه، واستخراج كنوزه هو شدة احتياجه إليه ورغبته فيه.
ليتخيل كل واحد منا أن مرضا قد أصاب عضوا من أعضائه، وأن البحث عن الدواء الذي يشفيه قد أعياه، وأن معاناته من ذلك المرض تزداد يوما بعد يوم، وفي هذه الأثناء يخبره أحد المقربين إليه بأن هناك كتابا به وصفة أكيدة لمرضه، وقد جُربت من قبل وأتت بنتائج مبهرة، لكنه لا يعلم في أي صفحات الكتاب تكون هذه الوصفة.
تُرى ماذا سيكون رد فعل هذا المريض؟ كيف سيتعامل مع هذا الكتاب؟ وكيف ستكون طريقة قراءته له؟ وهل سيسمح لذهنه أن يسرح في سطر منه؟ وإذا ما سرح هل سيتابع القراءة أم سيعود لقراءة ما سرح فيه مرة أخرى؟
بالتأكيد أن هذا المريض سيكون في أعلى درجات اليقظة والاستعداد للتلقي والتنفيذ في كل لقاء له مع هذا الكتاب، وسيقرؤه مرات ومرات حتى يصل لدوائه.
فإن كان هذا فيما يخص البدن الذي سيبلى بعد الموت فماذا لا نفعل ذلك مع القلب، وهو محل نظر الله عز وجل، وبقدر سلامته تكون النجاة يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88، 89].
ما الذي يجعلنا ننتظر، والكتاب الذي يحوي الشفاء والهداية بين أيدينا ميسر للذكر.. متواجد في كل بيت.. لا ينقصنا إلا أن نمد أيدينا فنتناوله ونقبل عليه بشعور الملهوف الراغب في الهدى كما قال ابن تيمية رحمه الله: من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق.
وقال القرطبي: فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه الله كما يحب وجعل له في قلبه نورا ( ).
فنقطة البداية – إذن – تبدأ مني ومنك، وهي استشعار الحاجة للعودة إلى القرآن.. هذا الشعور لابد أن نترجمه في هيئة دعاء وتضرع إلى الله بأن ييسر لنا فهم كتابه، وحسن تدبره، والعمل بما فيه.
ندعوه سبحانه وتعالى بأن يمنع عنا كل ما يثبط عزائمنا ويبعدنا عن التدبر.. نلح عليه بان يحبب إلى قلوبنا تدبر القرآن، وأن يعلمنا علم القرآن، وينور قلوبنا بنوره.. ولا ينبغي أن يدفعنا تأخر الإجابة إلى اليأس وترك الدعاء، وحسبنا في ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم مالم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي»( ).
الامداد بحسب الاستعداد:
أخي: لنعلم جميعا بحسب الاستعداد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: 70].
فالبداية من العبد: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].
فلنرِ الله من أنفسنا خيرا، ولنكثر من الاستغفار والتوبة، ولنداوم قرع الباب وإن رددنا.
قال رجل لذي النون وهو يعظ الناس: يا شيخ، ما الذي أصنع، كلما وقفت على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى.
قال له: يا أخي كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ترامى عليها، وكلما طردته، تقرب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها( ).
القرآن والأولويات:
ومع الدعاء والتضرع إلى الله، علينا أن نضع القرآن في أعلى سلم أولوياتنا واهتمامتانا، وأن نعطيه أفضل أوقاتنا، ونمكث معه أطول فترة ممكنة، فعلى قدر ما سنعطي للقرآن سيعطينا ويكرمنا، فهو كما أخبر عنه الله عز وجل ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77].
.. إن طول المكث مع القرآن من شأنه أن يسرع خطى التغيير المنشود.. تغيير العقل وإعادة تشكيله، وبناء اليقين الصحيح فيه، وتغيير القلب وطرد حب الدنيا والهوى منه، وترويض النفس على لزوم الصدق والإخلاص.
فكتاب هذا شأنه ينبغي أن نسلم له زمام قيادتنا ونترك أنفسنا له، وأن نكثر من الجلوس وعقد اللقاءات معه كلما سنحت الفرصة لذلك. وليس معنى هذا إهمال العلوم الأخرى وإنما تفريغ الوقت الأكبر لهذا الكتاب.
وعلينا كذلك أن نهيئ مكانا للقائه بعيدا عن الضوضاء، وعن كل ما من شأنه أن يشوش على الذهن ويقلل التركيز.
سلامة النطق:
ومن الأمور التي ينبغي أن نتقنها منذ البداية: تصحيح النطق بالقرآن وتعلم أحكام التجويد، فسلامة النطق من الأهمية بمكان لفهم القرآن، وكذلك أحكام التلاوة والتي من شأنها أن تيسر على القارئ ترتيل القرآن.
فإن قال قائل: ولماذا الترتيل؟ ألا يكفي سلامة النطق؟
إن للترتيل الكثير من الفوائد فضلا عن كونه واجبا على قارئ القرآن، فمن فوائده: إطالة مدة قراءة الآية مما يتيح للعقل فرصة فهم المقصود منها.
يقول ابن حجر في شرحه لباب الترتيل في القراءة في صحيح البخاري: أي تبين حروفها، والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها( ).
ومن فوائده كذلك: أنه يستثير المشاعر، وكما قيل في الصفحات السابقة، فإن العبرة ليست بالتدبر العقلي فقط ولكن لابد أن يصحب ذلك انفعال وجداني ليحدث التأثر القلبي ويزداد الإيمان. لذلك نجد التوجيه النبوي بالتغني بالقرآن، أي بتحسين الصوت وتزيينه، وكذلك التباكي عند قراءته لمن لم يستطع البكاء.. كل ذلك لتستثار المشاعر ويتحقق المقصود من القراءة.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا»( ).
إن تلاوة القرآن حق تلاوته كما يقول أبو حامد الغزالي هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار.. فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ( ).

الوسائل العملية للانتفاع بالقرآن
مما لا شك فيه أن من يقبل على القرآن مستشعرا أنه خطاب من الله عز وجل موجه إليه يحمل في طياته مفاتيح سعادته في الدنيا والآخرة، وأنه القادر بإذن الله على تغييره مهما كان حاله.. لا شك أن هذا الشخص لا يحتاج إلى من يدله على وسائل تعينه على الانتفاع بالقرآن، لأنه بهذا الشعور قد أصبح مهيأ للتغيير الذي يقوم به القرآن.
أما وإنه من الصعب علينا في البداية أن نكون كذلك بسبب ما ورثناه من أشكال التعامل الخاطئ مع القرآن، مما يجعل هناك حاجزا نفسيا بيننا وبينه يمنعنا من الانتفاع الحقيقي به.
أما والأمر كذلك فإن عودتنا إلى القرآن تحتاج إلى وسائل سهلة وعملية ومحددة تعين صاحبها على إدارة وجهه للقرآن، والإقبال على مأدبته، والدخول إلى عالمه ومصنعه بصورة متدرجة.
هذه الوسائل تنطلق من قاعدة ( تيسير القرآن للذكر)، فما دام القرآن ميسرا للذكر فلابد أن تكون وسائل الانتفاع به ميسرة للجميع.
هذه الوسائل على سبيل الإجمال هي:
1- المداومة على التلاوة اليومية.
2- تهيئة الجو المناسب.
3- التركيز مع القراءة.
4- أن نجعل المعنى هو المقصود.
5- التجاوب مع القراءة.
6- ترديد الآية التي تؤثر في القلب.
7- استصحاب معنى من المعاني الإيمانية.
وقبل أن نتحدث في شرح وبيان هذه الوسائل هناك أمر جدير أن نلفت الانتباه إليه، وهو أن هذه الوسائل السبع تخص القارئ للقرآن، أما السامع فعليه أن يأخذ منها قدر المستطاع لتتحقق له الفائدة المرجوة من هذه المعجزة الكبرى.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
ويقول ابن عباس: من سمع آية من كتاب الله عز وجل تتلى كانت له نورا يوم القيامة( ).
أولا: المداومة على التلاوة اليومية:
لكي يحقق القرآن هدفه معنا – فيهدينا إلى الصراط المستقيم، ويثبتنا عليه، ويغير ما بأنفسنا، ويجعلنا في حالة دائمة من التبصر والتذكر – لابد أن تستمر ماكيناته في العمل بصورة دائمة، ولفترة طويلة، فالتغيير القرآني تغيير بطيئ، هادئ، متصاعد، ولكي يؤتي ثماره لابد من استمرارية التعامل معه، فلا يصح ترك قراءة القرآن يوما من الأيام وإلا تضاءل الأثر المترتب عليها.
فلنداوم على التلاوة اليومية ولفترات طويلة، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا.. ولتكن تلاوة مرتلة بطئية، ولا يكن هم القارئ متى سينتهي من السورة أو الورد، بل ليكن همه متى يتجاوب قلبه، ويخشع فؤاده، وتدمع عيناه.
أما بالنسبة للأوقات المفضلة للقراءة فيقول عنها النووي في كتاب الأذكار:
اعلم أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، وأما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما قراءة النهار فأفضلها ما كان بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في وقت من الأوقات ولا في أوقات النهي عن الصلاة( ).
ثانيا: تهيئة الجو المناسب:
لكي يقوم القرآن بعمله في التغيير لابد من تهيئة الظروف المناسبة لاستقباله، ومن ذلك وجود مكان هادئ بعيد عن الضوضاء يتم فيه لقاؤنا به، فالمكان الهادئ يعين على التركيز وحسن الفهم وسرعة التجاوب مع القراءة، ويسمح لنا كذلك بالتعبير عن مشاعرنا إذا ما استثيرت بالبكاء والدعاء.
ومع وجود المكان الهادئ علينا أن يكون لقائنا بالقرآن في وقت النشاط والتركيز لا في وقت التعب والرغبة في النوم، ولا ننسى الوضوء والسواك.
ثالثا: التركيز مع القراءة:
نريد أن نقرأ القرآن كما نقرأ أي كتاب – كحد أدنى – فعندما نشرع في قراءة كتاب أو مجلة أو جريدة فإننا نعقل ما نقرؤه، وإذا ما سرحنا في موضع من المواضع عُدنا بأعيننا إلى الوراء، وأعدنا قراءة ما فات على عقولنا، وما دفعنا إلى ذلك إلا لتفهم المراد من الكلام.
هذا ما نريده مع القرآن: أن نقرأه بحضور ذهن، فإذا ما سرحنا في وقت من الأوقات علينا أن نعيد الآيات التي شرد فيها ذهننا.
.. نعم في البداية سنجد صعوبة في تطبيق هذه الوسيلة بسبب تعودنا على التعامل مع القرآن كألفاظ مجردة من معانيها، ولكن بالمدوامة والمثابرة سنعتاد بمشيئة الله القراءة بتركيز وبدون سرحان.
ولنتذكر دائما قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
ولكن في بعض الأوقات قد نبدأ القراءة فنجد أنفسنا وقد غلبها النعاس، وأصبحنا لا ندري ما نقول، فماذا نفعل إذا ما فشلنا في جمع الذهن مع القراءة بعد العديد من المحاولات؟
علينا عندئذ التوقف بنية العودة إليها في وقت آخر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع»( ).
وليكن مقياس استمرارنا في القراءة قول الحسن بن علي رضي الله عنهما: «اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرأه»( ).
رابعا: أن نجعل المعنى هو المقصود:
البعض منا عندما يشرع في تدبر القرآن تجده يقف متمعنا عند كل لفظ فيه مما يجعل التدبر عملية شاقة عليه وما يلبث إلا أن يمل فيعود أدراجه إلى الطريقة القديمة في القراءة دون فهم ولا تدبر.
فكيف لنا إذن أن نقرأ القرآن بتدبر وسلاسة في نفس الوقت؟
الطريقة السهلة لتحقيق هذين الأمرين معا هو أن نأخذ المعنى الإجمالي للآية، وإذا وجدنا بعض الألفاظ التي لا نعرف معناها، فعلينا أن نتعرف على المعنى من السياق، كمن يقرأ مقالا باللغة الإنجليزية مثلا ولا يعرف معاني بعض الكلمات، فإنه يفهم المعنى الإجمالي من السياق، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:« إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه»( ).
وبهذه الطريقة تصبح قراءة القرآن سهلة وميسرة للجميع.
فعلى سبيل المثال إذا ما قرأنا قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40]. ولا ندري معنى حسبانا ولا زلقا لكننا نفهم من السياق أن عقابا ومصيبة قد تحدث لهذا البستان.
وعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾[عبس: 31]، ولا ندري معنى أبًّا، فالسياق يدلنا على أنه نوع من المأكولات.
.. نعم إن معرفة معاني الكلمات الغريبة تساعدنا على زيادة الفهم، ولكن علينا ألا نجعل عدم معرفتها عائقا يحول بيننا وبين الاسترسال في القراءة، والتركيز معها والتأثر بها.
وليس معنى هذا عدم النظر في كتب التفسير ومعاني الكلمات، فمما لا شك فيه أن للتفسير دورا كبيرا في حسن الفهم، وله أيضا دور أساسي في معرفة الأحكام الشرعية، والتي لا ينبغي علينا أن نستنبطها بمفردنا من القرآن، فتاريخ الأمة الإسلامية يشهد بانحراف الكثير ممن استنبط تلك الأحكام بمفرده من القرآن دون أن يكون مؤهلا لذلك، مثل الخوارج وغيرهم.
ومع هذا الدور العظيم للتفسير إلا أنه ينبغي أن يكون له وقته الخاص به، وغير مرتبط بوقت القراءة، فنحن لا نريد أن نخرج من لقائنا بالقرآن بزيادة الفهم فقط، ولكن نريد القلب الحي كذلك، وهذا يحتاج إلى اللقاء المباشر مع القرآن، والسماح بقوة تأثيره أن تنساب داخلنا وتتصاعد من خلال الاستمرار في القراءة، والاسترسال مع الآيات والتجاوب معها.
حسن الابتداء والوقف:
من الأمور المعينة كذلك على فهم المعنى الإجمالي للآيات: حُسن الابتداء والوقف.
يقول النووي رحمه الله: ويستحب للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقف عند المرتبط وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيد في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كان كثيرا منها في وسط الكلام المرتبط( ).
خامسا: التجاوب مع القراءة:
القرآن خطاب مباشر من الله عز وجل لجميع البشر: لي، ولك، ولغيرنا.. هذا الخطاب يشمل من ضمن ما يشمل: أسئلة وأجوبة، ووعدا ووعيدا، وأوامر ونواهي.
فعلينا أن نتجاوب مع الخطاب القرآني بالرد على أسئلته، وتنفيذ ما يمليه من تسبيح أو حمد أو استغفار أو سجود، وعلينا كذلك التأمين على الدعاء والاستعاذة من النار، وسؤال الجنة، ولقد كان هذا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام.
عن عبد الله بن السائب قال: أخر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – العشاء الآخرة فصُليت ودخل فكان في ظهري، فقرأت: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: 1] حتى أتيت على قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]، فرفع صوته حتى ملأ المسجد: أشهد( ).
وسمع عبد الله بن مسعود رجلا قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1].
قال: إي وعزتك، فجعلته سميعا بصيرا، وحيا وميتا( ).
وعن أبي عمارة الكوفي – عبد خير – أنه سمع عليا قرأ في الصلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، فقال: سبحان ربي الأعلى( ).
فعلينا المداومة على استخدام هذه الوسيلة والتي سنجد لها أثرا عظيما بمشيئة الله في دوام يقظة العقل، وسرعة تجاوب القلب.
سادسا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب:
إن يقظة العقل وقت قراءة القرآن أمر نستطيع تحصيله بشيء من المجاهدة وبعون من الله عز وجل، أما حضور القلب وتجاوبه مع القراءة وتأثره بها، فهذا أمر لا نملكه وقد يمضي بنا وقت ليس بالقصير حتى يبدأ القلب في التحرك مع القراءة، فإلى أن تنفذ أنوار الآيات من بين أغلفة الظلمات وتصل إلى القلب علينا بالمداومة على القراءة المتأنية مع يقظة العقل، والتضرع إلى المولى عز وجل بأن يفتح قلوبنا لكلامه، وبمشيئة الله لن يطول انتظارنا، فبمرور الوقت سيبدأ القلب بالتأثر والانفعال ولو مع آية من الآيات.
فإذا ما تم ذلك في لحظة من اللحظات.. فماذا نفعل حينئذ؟
ينبغي علينا أن نستثمر وجودها أحسن استثمار، وأن نعض عليها بالنواجذ فهذه اللحظات من أهم أوقات حياتنا، ومن خلالها يتم التغيير المنشود.
فمعنى تأثر القلب بآية من الآيات هو دخول نور هذه الآية إلى القلب وتفاعله معه، وإحلاله محل ظلمة فيه، ويعني كذلك زيادة الإيمان، وهذا قلما يحدث للواحد منا وخاصة في البداية، لذلك علينا ألا نضيع تلك الفرصة إذا ما جاءتنا ولنعمل على دخول أكبر قدر من النور إلى قلوبنا بترديد تلك الآية مرات ومرات، وعلينا ألا نمل من ذلك طالما وُجد التجاوب، وشيئا فشيئا ستتبدد الظلمات من القلب ويُطرد الهوى، ويصبح النور هو الغالب فيه، فيسهل عليه التأثر بالآيات ويزداد لينه وخشوعه بها.
يقول ابن القيم: ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة.. فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر ولا تفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح( ).
وبترديد الآية التي تؤثر في القلب تتولد داخل العبد طاقة، عليه أن يُحسن تصريفها بالبكاء والدعاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107 - 109].
سابعا: استصحاب معنى من المعاني الإيمانية:
الوسائل السابقة تكفي بمشيئة الله وعونه لحسن العودة إلى القرآن، والانتفاع بمعجزته، إذا ما داومنا عليها، وصبرنا على ذلك.
وهناك وسيلة أخرى من شأنها أن تُسرع الخطى نحو الدخول إلى عالم القرآن، ودائرة تأثيره القوية على الإنسان.
هذه الوسيلة هي استصحاب معنى من المعاني الإيمانية، والبحث عن مدلوله من خلال رحلتنا مع القرآن.
فإذا ما كانت رحلة المسلم مع كتاب ربه تبدأ من سورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس، فلتكن من سمات كل رحلة البحث عن معنى جديد من المعاني التي تؤسس القاعدة الإيمانية في القلب وتبني اليقين في العقل.
ومما لا شك فيه أن استصحاب معنى إيماني أو أكثر في كل رحلة سيكون له بعون الله وفضله أبلغ الأثر في تذوق حلاوة الإيمان، فإذا ما صاحب ذلك ربط مدلول هذا المعنى بواقع الحياة فلا تسل عما سيحدثه من قرب حقيقي، ومعرفة، وأنس بالله عز وجل، والتمتع بالحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده وأوليائه.
ومن فوائد استصحاب المعنى الإيماني في قراءتنا للقرآن أنه يُثير الهمة ويقوي العزيمة.
يقول ابن القيم:
فإن سيرهم - أي السائرين إلى الله - إنما هو على الشواهد، فمن كان لا شاهد له فلا سير له، ولا طلب ولا سلوك له.
قالت عائشة رضي الله عنها: «من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة، ولكن رُفع له علم فرآه فشمر إليه».
ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل، حتى يرفع الله عز وجل بفضله ومَنِّه علما يشاهده قلبه، فيشمر إليه ويعمل إليه( ).
وإليك أخي القارئ بعضا من العناوين المقترحة لهذه المعاني الإيمانية، لك أن تستصحب منها ما تشاء في رحلتك المباركة مع كتاب ربك( ).
التعرف على الله (الواحد):
وذلك من خلال تتبع آيات القرآن التي تتحدث عن صفة الوحدانية، وآثارها في الكون، وكيف يُثبت القرآن أن للكون إلها واحدا لا شريك له، وأنه هو الله، ونتتبع كذلك تفنيد الآيات لمزاعم المبطلين الذين يدعون أن هناك إلها آخر للكون، أو أن لله شريكا في ملكه.
مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: 11].
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: 4].
التعرف على الله (المنعم):
من خلال رحلتنا مع القرآن نبحث عن الآيات التي تتحدث عن نعم الله عز وجل علينا، ونعمل على إحصائها قدر الإمكان، والتعرف على جوانبها المختلفة كنعم الإيجاد والإمداد، والحفظ، والتسخير، والاجتباء والهداية، والثبات، والتوفيق، والأمن، والستر، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [الملك: 23].
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
التعرف على الله (الرحيم):
وذلك من خلال تتبع الآيات التي تتحدث عن الرحمة الإلهية وآثارها في الكون والنفس، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: 50].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
التعرف على الله ( القوي ) ( الجبار ):
الله عز وجل وصف نفسه بأنه: القوي، الجبار، شديد العقاب، ذو انتقام، فهو سبحانه يعاقب الظالمين والعاصين، وينتقم منهم.. ولقد أفاض القرآن في الحديث عن مظاهر تلك الصفة سواء كان ذلك على مستوى الأمم أو على مستوى الأفراد.
مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165].
جوانب الفقر إلى الله :
فقرنا إلى الله عز وجل فقر ذاتي ومطلق يشمل جميع أسباب ومقومات الحياة، والهداية، والثبات، والتوفيق، والعصمة من الفجور، ولقد تم بيان بعض أوجه الفقر إلى الله بشيء من التفصيل في الفصل الثالث ( القرآن والتغيير- محور النفس ).
قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30].
التعرف على الله ( العزيز – القهار ).
كل ما في الكون خاضع لله عز وجل منقاد لإرادته، لا يتحرك متحرك إلا بحول الله وقوته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإرادته الكونية غالبة، فعال لما يريد، غالب على أمره، فالعبد يريد شيئا والله يريد شيئا آخر، فلا يحدث إلا ما يريده الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[آل عمران: 6].
وقال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: 12].
وقال عز وجل: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: 44].
الدنيا دار امتحان:
تم بفضل الله شرح هذا العنوان في الفصل الثاني (جوانب الهداية في القرآن).
ويتضمن هذا المعنى: بداية خلق آدم، عداوة الشيطان للإنسان، الدنيا قاعة امتحان، أدوات الامتحان والإجابات الصحيحة، تسجيل الإجابات والرقابة على الامتحان، نهاية الامتحان، يوم النتيجة وتوزيع الشهادات، وذهاب الناجحين إلى الجنة، وسوق الراسبين إلى النار.
مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: 165].
وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 48، 49].
الرسائل الإلهية:
الله عز وجل أخبرنا بأنه لا تدركه الأبصار، ولا سبيل لمعرفته إلا من خلال ما أتاحه لنا من معلومات عنه سبحانه، هذه المعلومات أودعها الله في مخلوقاته، وجعلها آيات تدل علي وتذكر به.
قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 221].
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: 24].
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: 27].
كيف ربى الله رسولنا صلى الله عليه وسلم على تمام العبودية؟
فنتأمل في رحلتنا المباركة مع القرآن التوجيهات التي وُجهت لحبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام، ونعمل على أن ننهل منها لنقتفي أثره صلى الله عليه وسلم في عبوديته لربه.
مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22].
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 130 - 132].
السنن الاجتماعية الحاكمة للحياة:
من خلال هذا المعنى نتعرف من القرآن على القوانين التي تجلب للناس السعادة أو الشقاء، ولقد تم شرح هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الفصل الثاني ( جوانب الهداية في القرآن ).
هذه القوانين كالمعادلات الرياضية، لابد أن يكتمل الطرف الأول ليتحقق الطرف الثاني، والملاحظ أن الطرف الأول دائما يكون هو العبد وما يفعله.
ومن هذه القوانين قانون النصر والهزيمة، والتيسير والتعسير، سلب النعم، هلاك الأمم، الحياة الطيبة..
مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5 - 7].








الفصل الثامن

معينات على الطريق

انطلاقا من حسن الظن بالله – سبحانه وتعالى – نوقن بأننا إذا ما أحسنا البداية وأخذنا بالوسائل العملية المشار إليها فسنجد ثمارا سريعة، وتحسنا ملحوظا في علاقتنا بالقرآن، ومع ذلك فهناك معينات من شانها أن تهيئ القلب أكثر وأكثر لاستقبال القرآن وسرعة الانتفاع به، وخروجه من دائرة التدبر العقلي إلى الانفعال الوجداني والتحرك القلبي ليقوم القرآن بأهم دور له، فيصبح القوة الدافعة والمحركة لفعل كل ما يرضي مولانا، وترك ما يبغضه.
أولا: كثرة ذكر الموت:
لكي يحدث القرآن في القلب أثره المطلوب، لابد من تهيئة القلب لاستقباله بزيادة مستوى الخوف من الله فيه، هكذا أخبرنا الله وتعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45].
وقال صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»( ).
ويعلق المناوي في فيض القدير على هذا الحديث فيقول:
فكل من خاف الردى أو فوت ما يتمنى لا يركن إلى الراحة ولا ينتظر الصباح، بل يبادر إلى الحركة والسفر ولو كان بالليل، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الخوف من الله هو المقتضي للسير إليه بالعمل الصالح والمشار إليه بالإدلاج..( ).
من هنا يتضح لنا أن القلب الخائف الوجل من الله عز وجل هو المؤهل للانتفاع بالقرآن، فالخوف بصفة عامة يجعل الإنسان مرهف الحس تجاه كل ما من شأنه تخفيف مسببات خوفه، فيستقبل أي موعظة او نصيحة استقبال الباحث عن طوق النجاة، فيتعلق بها، ولا يتركها إلا إذا استفاد منها استفادة كاملة.. أما الآمن فهو على عكس ذلك لأنه لا يستشعر بأن هناك خطرا قريبا منه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26].
ووسائل زيادة الخوف من الله كثيرة، أهمها ذكر الموت والتوقع الدائم لقدومه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، الموت، فإنه ما ذُكِر في ضيق العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه»( ).
ولقد اشتكت امرأة إلى عائشة – رضي الله عنها – قسوة قلبها فقالت: أكثري ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت فرقّ قلبها.
ومن الوسائل المعينة للتذكر الدائم للموت: زيارة المقابر، وتغسيل الموتى واتباع الجنائز، وكتابة الوصية، ودوام مطالعتها.
ومنها أيضا: شراء الكفن ومشاهدته كل فترة، والجلوس مع الأهل لترتيب أمورهم فيما بعد الموت.
وكذلك زيارة المستشفيات ومشاهدة المرضى وأصحاب العاهات.
ومنها أيضا: الاستماع إلى المواعظ والقراءة في كتب الرقائق كـ «التوهم» للحارث بن أسد المحاسبي، و«بحر الدموع، صفة الصفوة، وبستان الواعظين» لابن الجوزي، و«الداء والدواء» لابن القيم( ).
وبالمداومة على هذه الوسائل وغيرها ترق القلوب فينزل عليها القرآن نزوله الصحيح فتزداد به تذكرا وخشوعا.
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 51].
ثانيا: ومن المعينات أيضا: قيام الليل:
تدبر القرآن، والنظر في معانيه، من شانه أن يملأ القلب بمعاني العبودية والمعارف الإلهية، فهي تعرفنا بالله عز وجل وبحقوقه علينا، وتورث في القلب ما تستوجبه هذه المعرفة من تعظيم ومهابة وحب، وخوف ورجاء، وثقة، وطمانينة به سبحانه، وتدفعنا إلى الإنابة والتوبة إليه، ودوام التوكل عليه..
ويعرفنا القرآن كذلك بأنفسنا، وبمدى ضعفها، وفقرها الذاتي والمطلق لله عز وجل في كل طرفة عين، وينبهنا على ضرورة الحذر من الشيطان، وأهمية الاستعاذة بالله من شره، وغير ذلك من جوانب الهداية القرآنية.
وبعد أن يمتلئ القلب بكل هذه المعاني والمعارف متى سيُخرجها؟ وكيف يعبر عنها؟
لابد إذن من وسيلة عملية تساعد العبد على استفراغ هذه المعاني، ومدلولاتها من القلب.. وما من وسيلة أعظم من الصلاة، وأفضل صلاة بعد المكتوبة قيام الليل، فهو مركبة السائرين، تقربهم، وتدنيهم من حبيبهم ومولاهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79].
ففي القيام نقرأ القرآن، ونعيش مع معانيه، ونردد الآية التي تؤثر فينا، وفي الركوع نسبح الله ونثني عليه، وفي السجود نحمده سبحانه ونمجده ونتذلل له، ونريه ذل مقامنا وانكسارنا بين يديه، وافتقارنا الماس إليه.
نستغفره من ذنوبنا وتقصيرنا في القيام بحقوقه، ونسأله من خيري الدنيا والآخرة، ونفضي إليه بمدى شوقنا إلى لقائه، ونقدم له طلباتنا، ونشكو له همومنا.
إنها لحظات رائعة، تلك اللحظات التي يناجي فيها العبد مولاه وحبيبه، ويستشعر فيها بالقرب منه والأنس به، وأنه ليس مقطوع النسب، فله مولى يحميه، وملك يؤويه، وكافٍ يكفيه شر ما أهمه وأغمه.
.. ما أجملها من لحظات وأنت تكتب رسائلك إلى مولاك بدموعك، وتنتظر منه الإجابة.
ومما لاشك فيه أنه مما يعين على استثارة هذه المشاعر الفياضة تجاه المولى عز وجل طول القيام بالقرآن، وإجمال النظر في معانيه ليكون السجود معبرا عما تأثر به القلب، فلنحرص على القيام كل ليلة، مهما كانت شواغلنا، ولا بأس من القراءة في المصحف، فلقد أجاز العلماء ذلك في صلاة التطوع.
أخرج ابن أبي داود في كتابه (المصاحف) عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف في الصلاة ( ).
وعن الحسن أنه كان يعجبه إذا كان مع الرجل ما يقرأ، أن يردده، ويؤم به في رمضان، وإن لم يكن معه شيء أن يقرأ في المصحف( ).
وعن عطاء أنه كان لا يرى بأسا أن يقرأ في المصحف في الصلاة( ).
ثالثا: دراسة السيرة النبوية:
السيرة النبوية هي التطبيق العملي للقرآن، ودراستنا للسيرة من هذا المنطلق تزيد من فهمنا للقرآن، وتفتح لنا آفاقا جديدة لفهم ومعايشة القرآن.
كذلك فإن معرفة أسباب النزول تؤدي إلى نفس المعنى، فهي تعد بمثابة نماذج تطبيقية للآيات، وتعين كذلك على استشعار الظروف التي نزلت فيها فيقوي التعايش والتفاعل معها، ومن ثم التأثر بها والاستفادة منها.
رابعا: التفسير:
القرآن الكريم كفيل - بإذن الله – أن يُحدث التوازن المطلوب في شخصية المسلم إذا ما أقبل عليه بروح الشغوف الباحث عن الهداية، وسيكون له عاصما من الزلل، وسيفسر بعضه بعضا، فما يجمله في مكان يفصله في مكان آخر، وسيصحح له – بدوام قراءته وتدبره – أي مفهوم خاطئ قد يتطرق إلى عقله، فأغلب آيات القرآن واضحة يسهل فهمها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
ومع هذا كله علينا أن نرجع إلى التفاسير لفهم آية لا نستطيع فهمها، أو لتصحيح مفهوم خاطئ، أو لفتح آفاق جديدة أمام عقولنا، أو لمعرفة حكم شرعي دلت عليه الآيات.. فلا بيصح لنا أن نستنبط الأحكام الشرعية مباشرة من القرآن مهما بلغت درجة انشغالنا أو تأثرنا به طالما لم نستكمل الأدوات اللازمة لذلك من علوم شرعية كثيرة بينهما العلماء في حديثهم عن شروط المفسر للقرآن.
ولقد أجمل الإمام حسن البنا – رحمه الله – الكثير من معينات الفهم لكتاب الله بما في ذلك التفسير في إجابته عن سؤال أحد الأشخاص.
يقول رحمه الله: فلقد سألني أحد الإخوان عن أفضل التفاسير، وأقرب طرق الفهم لكتاب الله تبارك وتعالى ؟
فكان جوابي على سؤاله هذا هذه الكلمة: (قلبك





E G Y P T




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
 
العودة إلى القرآن لماذا ... وكيف؟ للدكتور مجدي الهلالي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فونام  :: الدين الإسلامى :: المكتبة الإسلامية-
انتقل الى: