الرئيسيةصور ديكورمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورتى النبأ والنازعات لابن كثير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
العلم نور.
.


mms :
  :
العلم : مصر
الجنسية : مصر
عدد المساهمات : 5915
نقاط : 14954
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير سورتى النبأ والنازعات لابن كثير   الأحد نوفمبر 22, 2009 12:50 am

( سورة النبأ )


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَسَاءلُونَ {1} عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ {2} الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ {3}
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ {4} ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ {5} أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً {6}
وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً {7} وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً {8} وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً
{9} وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً {10} وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً {11} وَبَنَيْنَا
فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً {12} وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً {13} وَأَنزَلْنَا
مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً {14} لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً {15} وَجَنَّاتٍ
أَلْفَافاً {16}




مقدمة تفسير سورة النبأ بسم الله الرحمن الرحيم سورة النبأ وهي
مكية يقول تعالى منكرا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارا لوقوعها ( عم يتساءلون عن النبإ العظيم ) أي عن أي شيء يتساءلون عن أمر القيامة وهو النبأالعظيم يعني الخبر الهائل المفظع الباهر قال قتادة وبن زيد النبأ العظيم البعث بعد الموت وقال مجاهد هو القرآن والأظهر الأول لقوله ( الذي هم فيه مختلفون ) يعني الناس فيه على قولين مؤمن به وكافر ثم قال تعالى متوعدا لمنكري القيامة ( كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال ( ألم نجعل الأرض مهادا ) أي ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة ( والجبال أوتادا ) أي جعلها لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها ثم قال تعالى ( وخلقناكم أزواجا ) يعني ذكرا وأنثى يتمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل بذلك كقوله ( ومن أياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) وقوله تعالى ( وجعلنا نومكم سباتا ) أي قطعا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار وقد تقدم مثل هذه الأية في سورة الفرقان ( وجعلنا الليل لباسا ) أي يغشي الناس ظلامه وسواده كما قال ( والليل إذا يغشاها ) وقال الشاعر
فلما لبسن الليل أو حين نصبت له من خذا آذانها وهو جانح
وقال قتادة في قوله تعالى ( وجعلنا الليل لباسا ) أي سكنا وقوله تعالى ( وجعلنا النهار معاشا ) أي جعلناه مشرقا نيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك وقوله تعالى ( وبنينا فوقكم سبعا شدادا ) يعني السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات ولهذا قال تعالى ( وجعلنا سراجا وهاجا ) يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم وقوله تعالى ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) قال العوفي عن بن عباس المعصرات الريح وقال بن أبي حاتم ثنا أبو سعيد ثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن بن عباس ( وأنزلنا من المعصرات ) قال الرياح وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن أنها الرياح ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب وقال علي بن أبي طلحة عن بن عباس من المعصرات أي من السحاب وكذا قال عكرمة أيضا وأبو العالية والضحاك والحسن والربيع بن أنس والثوري واختاره بن جرير وقال الفراء هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد كما يقال امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض وعن الحسن وقتادة من المعصرات يعني السماوات وهذا قول غريب والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب كما قال تعالى ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله ) أي من بينه وقوله جل وعلا ( ماء ثجاجا ) قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس ثجاجا منصبا وقال الثوري متتابعا وقال بن زيد كثيرا قال بن جرير ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج وإنما الثج الصب المتتابع ومنه قول النبي أفضل الحج العج والثج يعني صب دماء البدن هكذا قال قلت وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول الله أنعت لك الكرسف يعني أن تحتشي بالقطن فقالت يا رسول الله هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجا وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير والله أعلم وقوله تعالى ( لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا ) أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك ( حبا ) يدخر للأناسي والأنعام ( ونباتا ) أي خضرا يؤكل رطبا ( وجنات ) أي بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعا ولهذا قال ( وجنات ألفافا ) قال بن عباس وغيره ألفافا مجتمعة وهذه كقوله تعالى ( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً {17} يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ
فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً {18} وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً {19} وَسُيِّرَتِ
الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً {20} إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً {21} لِلْطَّاغِينَ
مَآباً {22} لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً {23} لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً
{24} إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً {25} جَزَاء وِفَاقاً {26} إِنَّهُمْ كَانُوا
لَا يَرْجُونَ حِسَاباً {27} وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً {28} وَكُلَّ شَيْءٍ
أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً {29} فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً {30}
يخبر تعالى مخبرا عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز وجل كما قال تعالى ( وما نؤخره إلا لأجل معدود ) ( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) قال مجاهد زمرا زمرا قال بن جرير يعني تأتي كل أمة مع رسولها كقوله تعالى ( يوم ندعو كل أناس بإمامهم ) وقال البخاري 4935 ( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) حدثنا محمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما بين النفختين أربعون قالوا أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون سنة قال أبيت قال ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) أي طرقا ومسالك لنزول الملائكة ( وسيرت الجبال فكانت سرابا ) كقوله تعالى ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) وكقوله تعالى ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) وقال ها هنا ( فكانت سرابا ) أي يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء وبعد هذا تذهب بالكلية فلاعين ولا أثر كما قال تعالى ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) وقال تعالى ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ) وقوله تعالى ( إن جهنم كانت مرصادا ) أي مرصدة معدة ( للطاغين ) وهم المردة العصاة المخالفون للرسل ( مآبا ) أي مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا وقال الحسن وقتادة في قوله تعالى ( إن جهنم كانت مرصادا ) يعني أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس وقال سفيان الثوري عليها ثلاث قناطر وقوله تعالى ( لابثين فيها أحقابا ) أي ماكثين فيها أحقابا وهي جمع حقب وهو المدة من الزمان وقد اختلفوا في مقداره فقال بن جرير عن بن حميد عن مهران عن سفيان الثوري عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل قال نجده ثمانين سنة كل سنة اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة وهكذا روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وبن عباس وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وعن الحسن والسدي أيضا سبعون سنة كذلك وعن عبد الله بن عمرو الحقب أربعون سنة كل يوم منها كألف سنة مما تعدون رواهما بن أبي حاتم وقال بشير بن كعب ذكر لي أن الحقب الواحد ثلاثمائة سنة كل سنة اثنا عشر شهرا كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم منها كألف سنة رواه بن جرير وبن أبي حاتم ثم قال بن أبي حاتم ذكر عن عمرو بن علي بن أبي بكر الأسفيدي حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي في قوله تعالى ( لابثين فيها أحقابا ) قال فالحقب شهر الشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا والسنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم منها ألف سنة مما تعدون فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة وهذا حديث منكر جدا والقاسم هو والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك وقال البزار 3503 حدثنا محمد بن مرداس حدثنا سليمان بن مسلم أبو العلاء قال سألت سليمان التيمي هل يخرج من النار أحد فقال حدثني نافع عن بن عمر عن النبي أنه قال والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابا قال والحقب بضع وثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون ثم قال سليمان بن مسلم بصري مشهور
وقال السدي ( لابثين فيها أحقابا ) سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون وقد قال مقاتل بن حيان أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) وقال خالد بن معدان هذه الآية وقوله تعالى ( إلا ما شاء ربك ) في أهل التوحيد رواهما بن جرير ثم قال ويحتمل أن يكون قوله تعالى ( لابثين فيها أحقابا ) متعلقا بقوله تعالى ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابا من شكل آخر ونوع آخر ثم قال والصحيح أنها لا انقضاء لها كما قال قتادة والربيع بن أنس وقد قال قبل ذلك حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن زهير عن سالم سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى ( لابثين فيها أحقابا ) قال أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار ولكن ذكروا أن الحقب سبعون سنة كل يوم منها كألف سنة مما تعدون وقال سعيد عن قتادة قال الله تعالى ( لابثين فيها أحقابا ) وهو ما لا انقطاع له وكلما مضى حقب جاء حقب بعده وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة وقال الربيع بن أنس ( لابثين فيها أحقابا ) لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله عز وجل وذكر لنا أن الحقب الواحد ثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون رواهما أيضا بن جرير وقوله تعالى ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) أي لا يجدون في جهنم بردا لقلوبهم ولا شرابا طيبا يتغذون به ولهذا قال تعالى ( إلا حميما وغساقا ) قال أبو العالية استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق وكذا قال الربيع بن أنس فأما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموه والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة ص بما أغنى عن إعادته أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه قال بن جرير وقيل المراد بقوله ( لا يذوقون فيها بردا ) يعني النوم كما قال الكندي
بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن قبلاتها البرد
يعني بالبرد النعاس والنوم هكذا ذكره ولم يعزه إلى احد وقد رواه بن أبي حاتم من طريق السدي عن مرة الطيب ونقله عن مجاهد أيضا وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضا وقوله تعالى ( جزاءا وفاقا ) أي هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا قاله مجاهد وقتادة وغير واحد ثم قال تعالى ( إنهم كانوا لا يرجون حسابا ) أي لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها ويحاسبون ( وكذبوا بآياتنا كذابا ) أي وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله صلى الله عليهم وسلم فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة وقوله ( كذابا ) أي تكذيبا وهو مصدر من غير الفعل قالوا وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة الحلق أحب إليك أو القصار وأنشد بعضهم
لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حوج قصارها من شفائيا
وقوله تعالى ( وكل شيء أحصيناه كتابا ) أي وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم وسنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر وقوله تعالى ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) أي يقال لأهل النار ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه ( وآخر من شكله أزواج ) قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو قال لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) قال فهم في مزيد من العذاب أبدا وقال بن أبي حاتم حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري حدثنا خالد بن عبد الرحمن حدثنا جسر بن فرقد عن الحسن قال سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار قال سمعت رسول الله قرأ ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) قال هلك القوم بمعاصيهم الله عز وجل جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية





إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً {31} حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً {32} وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً {33} وَكَأْساً
دِهَاقاً {34} لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً {35} جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء
حِسَاباً {36}
يقول تعالى مخبرا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم فقال تعالى ( إن للمتقين مفازا

قال بن عباس والضحاك متنزها وقال مجاهد وقتادة فازوا فنجوا من النار والأظهر ها هنا قول بن عباس لأنه قال بعده ( حدائق ) والحدائق البساتين من النخيل وغيرها ( وأعنابا وكواعب أترابا ) أي وحورا كواعب قال بن عباس ومجاهد وغير واحد ( كواعب ) أي نواهد يعنون أن ثديهن نواهد لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب أي في سن واحد كما تقدم بيانه في سورة الواقعة قال بن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الدستكي حدثني أبي عن أبي سفيان عبد الرحمن بن عبد الله بن تيم حدثنا عطية بن سليمان أبو الغيث عن أبي عبد الرحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي عن أبي أمامة أنه سمعه يحدث عن النبي أنه قال إن قمص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله وإن السحابة لتمر بهم فتناديهم يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم حتى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب وقوله تعالى ( وكأسا دهاقا ) قال بن عباس مملوءة متتابعة وقال عكرمة صافية وقال مجاهد والحسن وقتادة وبن زيد ( دهاقا ) الملأى المترعة وقال مجاهد وسعيد بن جبير هي المتتابعة وقوله تعالى ( لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ) كقوله ( لا لغو فيها ولا تأثيم ) أي ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة ولا إثم كذب بل هي دار السلام وكل ما فيها سالم من النقص وقوله ( جزاء من ربك عطاء حسابا ) أي هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه بفضله ومنه وإحسانه ورحمته عطاء حسابا أي كافيا وافيا سالما كثيرا تقول العرب أعطاني فأحسبني أي كفاني ومنه حسبي الله أي الله كافي
رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ
مِنْهُ خِطَاباً {37} يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً {38} ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن
شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً {39} إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ
يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً {40}
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وأنه رب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء وقوله تعالى ( لا يملكون منه خطابا ) أي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) وكقوله تعالى ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ) وقوله تعالى ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ) اختلف المفسرون في المراد بالروح ها هنا ما هو على أقوال أحدها ما رواه العوفي عن بن عباس أنهم أرواح بني آدم الثاني هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة وقال قتادة هذا مما كان بن عباس يكتمه الثالث أنهم خلق من خلق الله على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولابشر وهم يأكلون ويشربون قاله بن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش الرابع هو جبريل قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك ويستشهد لهذا القول بقوله عز وجل ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) وقال مقاتل بن حيان الروح هو أشرف الملائكة وأقرب إلى الرب عز وجل وصاحب الوحي الخامس أنه القرآن قاله بن زيد كقوله ( وكذلك أوحينا روحا من امرنا ) الآية والسادس أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات قال علي بن أبي طلحة عن بن عباس قوله ( يوم يقوم الروح ) قال هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا وقال بن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا رواد بن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن بن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفا وحده وهذا قول غريب جدا وقد قال الطبراني 1111476 حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري حدثنا وهب الله بن روق بن هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس سمعت رسول الله يقول إن لله ملكا لو قيل له التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل تسبيحه سبحانك حيث كنت وهذا حديث غريب جدا وفي رفعه نظر وقد يكون موقوفا على بن عباس ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات والله أعلم
وتوقف بن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها والأشبه عندي والله أعلم أنهم بنو آدم وقوله تعالى ( إلا من أذن له الرحمن ) كقوله ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ) وكما ثبت في الصحيح ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل وقوله تعالى ( وقال صوابا ) أي حقا ومن الحق لاإله إلا الله كما قاله أبو صالح وعكرمة وقوله تعالى ( ذلك اليوم الحق ) أي الكائن لا محالة ( فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ) أي مرجعا وطريقا يهتدي إليه ومنهجا يمر به عليه وقوله تعالى ( إنا أنذرناكم عذابا قريبا ) يعني يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبا لأن كل ما هو آت آت ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي ) يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها قديمها وحديثها كقوله تعالى ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ) وكقوله تعالى ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) ( ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) أي يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود وذلك حين عاين عذاب الله ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة وقيل إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها كوني ترابا فتصير ترابا فعند ذلك يقول الكافر ( يا ليتني كنت ترابا ) أي كنت حيوانا فأرجع إلى التراب وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما





( سورة النازعات )

مقدمة تفسير سورة النازعات
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النازعات
وهي مكية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً {1} وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً {2} وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً
{3} فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً {4} فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً {5} يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ
{6} تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ {7} قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ {8} أَبْصَارُهَا
خَاشِعَةٌ {9} يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ {10} أَئِذَا كُنَّا
عِظَاماً نَّخِرَةً {11} قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ {12} فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ
وَاحِدَةٌ {13} فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ {14}
قال بن مسعود وبن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي ( والنازعات غرقا ) الملائكة يعنون حين تنزع أرواح بني أدم فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط وهو قوله ( والناشطات نشطا ) قاله بن عباس وعن بن عباس ( والنازعات ) هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار رواه بن أبي حاتم وقال مجاهد ( والنازعات غرقا ) الموت وقال الحسن وقتادة ( والنازعات غرقا والناشطات نشطا ) هي النجوم وقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى ( والنازعات والناشطات ) هي القسي في القتال والصحيح الأول وعليه الأكثرون وأما قوله تعالى ( والسابحات سبحا ) فقال بن مسعود هي الملائكة وروي عن علي ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح مثل ذلك وعن مجاهد ( والسابحات سبحا ) الموت وقال قتادة هي النجوم وقال عطاء بن أبي رباح هي السفن وقوله تعالى ( فالسابقات سبقا ) روي عن علي ومسروق ومجاهد وأبي صالح والحسن البصري يعني الملائكة قال الحسن سبقت إلى الإيمان والتصديق به وعن مجاهد الموت وقال قتادة هي النجوم وقال عطاء هي الخيل في سبيل الله وقوله تعالى ( فالمدبرات أمرا ) قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي هي الملائكة زاد الحسن تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها عز وجل ولم يختلفوا في هذا ولم يقطع بن جرير بالمراد في شيء من ذلك إلا أنه حكى في المدبرات أمرا أنها الملائكة ولا أثبت ولا نفى وقوله تعالى ( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ) قال بن عباس هما النفختان الأولى والثانية وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد وعن مجاهد أما الأولى وهي قوله جل وعلا ( يوم ترجف الراجفة ) فكقوله جلت عظمته ( يوم ترجف الأرض والجبال ) والثانية وهي الرادفة فهي كقوله ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) وقد قال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه فقال رجل يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك قال إذا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك وقد روى الترمذي 2457 وبن جرير وبن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري بإسناده مثله ولفظ الترمذي وبن أبي حاتم كان رسول الله إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه وقوله تعالى ( قلوب يومئذ واجفة ) قال بن عباس يعني خائفة وكذا قال مجاهد وقتادة ( أبصارها خاشعة ) أي أبصار أصحابها وإنما أضيف إليها للملابسة أي ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال وقوله تعالى ( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ) يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة وهي القبور قاله مجاهد وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها ولهذا قالوا ( أئذا كنا عظاما نخرة ) وقرىء ( ناخرة ) وقال بن عباس ومجاهد وقتادة أي بالية قال بن عباس وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه ( قالوا تلك إذا كرة خاسرة ) وعن بن عباس ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وقتادة الحافرة الحياة بعد الموت وقال بن زيد الحافرة النار وما أكثر أسماءها هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة وأما قولهم ( تلك إذا كرة خاسرة ) فقال محمد بن كعب قالت قريش لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرن قال الله تعالى ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) أي فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا تأكيد فإذا الناس قيام ينظرون وهو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عز وجل ينظرون كما قال تعالى ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) وقال تعالى ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) وقال تعالى ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) قال مجاهد ( فإنما هي زجرة واحدة صيحة ) واحدة وقال إبراهيم التيمي أشد ما يكون الرب عز وجل غضبا على خلقه يوم يبعثهم وقال الحسن البصري زجرة من الغضب وقال أبو مالك والربيع بن أنس زجرة واحدة هي النفخة الآخرة وقوله تعالى ( فإذا هم بالساهرة ) قال بن عباس الساهرة الأرض كلها وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وأبو صالح وقال عكرمة والحسن والضحاك وبن زيد الساهرة وجه الأرض وقال مجاهد كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها قال والساهرة المكان المستوي وقال الثوري الساهرة أرض الشام وقال عثمان بن أبي العاتكة الساهرة أرض بيت المقدس وقال وهب بن منبه الساهرة جبل إلى جانب بيت المقدس وقال قتادة أيضا الساهرة جهنم وهذه أقوال كلها غريبة والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى وقال بن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا خزر بن المبارك الشيخ الصالح حدثنا بشر بن السري حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ( فإذا هم بالساهرة ) قال أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي وقال الربيع بن أنس ( فإذا هم بالساهرة ) يقول الله عز وجل ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار ) ويقول تعالى ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) وقال تعالى ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ) وبرزت الأرض التي عليها الجبال وهي لا تعد من هذه الأرض وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهرق عليها دم
هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى {15}
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى {16} اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {17}
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى {18} وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى {19} فَأَرَاهُ
الْآيَةَ الْكُبْرَى {20} فَكَذَّبَ وَعَصَى {21} ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى {22} فَحَشَرَ
فَنَادَى {23} فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى {24} فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى
{25} إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى {26}
يخبر تعالى رسوله محمدا عن عبده ورسوله موسى عليه السلام أنه ابتعثه إلى فرعون وأيده الله بالمعجزات ومع هذا استمر على كفره وطغيانه حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به ولهذا قال في آخر القصة ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) فقوله تعالى ( هل أتاك حديث موسى ) أي هل سمعت بخبره ( إذ ناداه ربه ) أي كلمه نداء ( بالواد المقدس ) أي المطهر ( طوى ) وهو اسم الوادي على الصحيح كما تقدم في سورة طه فقال له ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) أي تجبر وتمرد وعتا ( فقل هل لك إلى أن تزكى ) أي قل له هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به وتسلم وتطيع ( وأهديك إلى ربك ) أي أدلك إلى عبادة ربك ( فتخشى ) أي فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشعا بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير ( فأراه الآية الكبرى ) يعني فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية ودليلا واضحا على صدق ما جاءه به من عند الله ( فكذب وعصى ) أي فكذب بالحق وخالف ما أمره به من الطاعة وحاصله أنه كفر قلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره وعلمه بأن ماجاء به حق لا يلزم منه أنه مؤمن به لأن المعرفة علم القلب والإيمان عمله وهو الانقياد للحق والخضوع له وقوله تعالى ( ثم أدبر يسعى ) أي في مقابلة الحق بالباطل وهو جمعه السحرة ليقابلوا ماجاء به موسى عليه السلام من المعجزات الباهرات ( فحشر فنادى ) أي في قومه ( فقال أنا ربكم الأعلى ) قال بن عباس ومجاهد وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله ما علمت لكم من إله غيري بأربعين سنة قال الله تعالى ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) أي انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين في الدنيا ( ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ) كما قال تعالى ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله ( نكال الآخرة والأولى ) أي الدنيا والآخرة وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية وقيل كفره وعصيانه والصحيح الذي لا شك فيه الأول وقوله ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) أي لمن يتعظ وينزجر
أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا
{27} رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا {28} وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا {29}
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا {30} أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا {31}
وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا {32} مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {33}
يقول تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه ( أأنتم ) أيها الناس ( أشد خلقا أم السماء ) يعني بل السماء أشد خلقا منكم كما قال تعالى ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) وقال تعالى ( أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) وقوله تعالى ( بناها ) فسره بقوله ( رفع سمكها فسواها ) أي جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأرجاء مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء وقوله تعالى ( وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ) أي جعل ليلها مظلما أسود حالكا ونهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا وقال بن عباس ( أغطش ليلها ) أظلمه وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون ( وأخرج ضحاها ) أي أنار نهارها وقوله تعالى ( والأرض بعد ذلك دحاها ) فسره بقوله تعالى ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) وقد تقدم في سورة حم السجدة أن الأرض خلقت قبل خلق السماء ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل وهذا معنى قول بن عباس وغير واحد واختاره بن جرير وقال بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي حدثنا عبيد الله يعني بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن بن عباس ( دحاها ) ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام فذلك قوله ( والأرض بعد ذلك دحاها ) وقد تقدم تقرير ذلك هنالك وقوله تعالى ( والجبال أرساها ) أي قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها وهو الحكيم العليم الرءوف بخلقه الرحيم وقال الإمام أحمد 3124 حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي قال لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم الريح قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم بن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا بن حميد حدثنا جرير عن عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال لما خلق الله الأرض قمصت وقالت تخلق علي آدم وذريته يلقون علي نتنهم ويعلون علي بالخطايا فأرساها الله بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه غريب جدا وقوله تعالى ( متاعا لكم ولأنعامكم ) أي دحا الأرض فأنبع عيونها وأظهر مكنونها وأجرى أنهارها وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها كل ذلك متاعا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة إحتياجهم إليها في هذا الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل
فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ
الْكُبْرَى {34} يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى {35} وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ
لِمَن يَرَى {36} فَأَمَّا مَن طَغَى {37} وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا {38} فَإِنَّ الْجَحِيمَ
هِيَ الْمَأْوَى {39} وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى
{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى {41} يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا
{42} فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا {43} إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا {44} إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ
مَن يَخْشَاهَا {45} كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا {46}
يقول تعالى ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) وهو يوم القيامة قاله بن عباس سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع كما قال تعالى ( والساعة أدهى وأمر ) ( يوم يتذكر الإنسان ما سعى ) أي حينئذ يتذكر بن آدم جميع عمله خيره وشره كما قال تعالى ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) ( وبرزت الجحيم لمن يرى ) أي أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا ( فأما من طغى ) أي تمرد وعتا ( وآثر الحياة الدنيا ) أي قدمها على أمر دينه وأخراه ( فإن الجحيم هي المأوى ) أي فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ) أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل وخاف حكم الله فيه ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها ( فإن الجنة هي المأوى أي منقلبه ) ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء ثم قال تعالى ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) أي ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق بل مردها ومرجعها إلى الله عز وجل فهو الذي يعلم وقتها على التعيين ( ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ) وقال ها هنا ( إلى ربك منتهاها ) ولهذا لما سأل جبريل رسول الله عن وقت الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل وقوله تعالى ( إنما أنت منذر من يخشاها ) أي إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده أتبعك فأفلح وأنجح والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك وقوله تعالى ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) أي إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم قال جويبر عن الضحاك عن بن عباس ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) أما عشية فما بين الظهر إلى غروب الشمس ( أوضحاها ) ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار وقال قتادة وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fonaam.ahlamontada.com
 
تفسير سورتى النبأ والنازعات لابن كثير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فونام  :: الدين الإسلامى :: تفسير القرآن-
انتقل الى: